في الرذائل البشرية والكدورات الطبيعية " لو أن لهم ما في الأرض " الجهة السفلية من الأموال والأسباب التي انجذبوا إليها بالمحبة فأهلكوا أنفسهم بها " ومثله معه لافتداو به " ما ينالهم من الحجاب والحرمان * ( أولئك لهم سوء الحساب ) * لوقوفهم مع الأفعال في مقام النفس * ( ومأواهم جهنم ) * الحرمان * ( وبئس المهاد ) * ( الرعد : 18 ) جهنم والعياذ بالله تعالى ونسأله العفو والعافية .
* ( أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَاب ) *
.
* ( أَفَمَن يعْلَمُ أَنَّمَا إلَيْكَ من رَبِّكَ ) * من القرآن الذي مثل بالماء المنزل من السماء والإبريز الخالص في المنفعة والجدوى هو * ( الْحَقُّ ) * الذي لا حق وراءه أو الحق الذي أشير إليه بالأمثال المضروبة فيستجيب له * ( كَمَنْ هُوَ أَعْمَى ) * عمى القلب لا يدركه ولا يقدر قدره وهو - هو - فيبقى حائراً في ظلمات الجهل وغياهب الضلال ولا يتذكر بما ضرب من الأمثال ، والمراد كمن لا يعلم ذلك إلا أنه أريد زيادة تقبيح حاله فعبر عنه بالأعمى ، والهمزة للإنكار وإيراد الفاء بعدها لتوجيه الإنكار إلى ترتب توهم المماثلة على ظهور حال كل منهما بما ضرب من الأمثال وما بين من المصير والمآل كأنه قيل : أبعد ما بين حال كل من الفريقين وما لهما يتوهم المماثلة بينهما .
وقرأ زيد بن علي رضي الله عنهما * ( أو من يعلم ) * بالواو مكاناً الفاء * ( إنَّمَا يَتَذَكَّرُ ) * بما ذكر من المذكرات فيقف على ما بينهما من التفاوت والتنائي * ( أُولُواْ الأَلْبَاب ) * أي العقول الخالصة المبرأة من متابعة الألف ومعارضة الوهم ، فاللب أخص من العقل وهو الذي ذهب إليه الراغب ، وقيل : هما مترادفات والقصد بما ذكر دفع ما يتوهم من أن الكفار عقلاء مع أنهم غير متذكرين ولو نزلوا منزلة المجانين حسن ذلك .
والآية على ما روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في حمزة رضي الله تعالى عنه . وأبي جهل وقيل : في عمر رضي الله تعالى عنه . وأبي جهل ، وقيل : في عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه . وأبي جهل ، وقد أشرنا إلى وجه اتصالها بما قبلها ، والعلامة الطيبي بعد أن قرر وجه الاتصال بأن * ( فمن يعلم ) * عطف على جملة * ( للذين استجابوا ) * الخ والهمزة مقحمة بين المعطوف والمعطوف عليه ، وذكر من معنى الآية على ذلك ما ذكر قال : ثم إنك إذا أمعنت النظر وجدتها متصلة بفاتحة السورة يعني بقوله تعالى : * ( والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ) * وهو كما ترى .
* ( الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ ) *
.
* ( الَّذينَ يُوفُونَ بعَهْد الله ) * بما عقدوا على أنفسهم من الاعتراف بربوبيته تعالى حين قالوا : بلى ، أو بما عهد الله تعالى عليهم في كتبه من الأحكام فالمراد به ما يشمل جميع الأمم ، وإضافة العهد إلى الاسم الجليل من باب إضافة المصدر إلى مفعوله على الوجه الأول ومن باب إضافة المصدر إلى الفاعل على الثاني ، وإذا أريد بالعهد ما عقده الله تعالى عليهم يوم قال سبحانه : * ( ألست بربكم ) * ( الأعراف : 172 ) كانت الإضافة مطلقاً من باب إضافة المصدر إلى الفاعل وهو الظاهر كما في " البحر " ، وحكى حمل العهد على عهد * ( ألست ) * عن قتادة ، وحمله على ما عهد في الكتب عن بعضهم ، ونقل عن السدي حمله على ما عهد إليهم في القرآن ، وعن القفال حمله على ما في جبلتهم وعقولهم من دلائل التوحيد والنبوات إلى غير ذلك واستظهر حمله على العموم * ( ولاَ يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ ) * ما وثقوا من المواثيق بين الله تعالى وبينهم من الإيمان به تعالى والأحكام والنذور وما بينهم وبين العباد كالعقود وما ضاهاها ، وهو تعميم بعد تخصيص وفيه تأكيد للاستمرار المفهوم من صيغة المستقبل .
تفسير الآلوسي — صفحة 139
مساهمون: الآلوسي
ص١٣٩