تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
الكفر * ( وَفَسَادٌ كَبيرٌ ) * وهو سفك الدماء على ما روي عن الحسن فالمراد فساد كبير فيها ، وقيل : المراد في الدارين وهو خلاف الظاهر ، وعن الكسائي أنه قرأ * ( كثير ) * بالمثلثة . * ( والَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) * . * ( وَالَّذينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُوْا وَجَاهَدُواْ في سَبيل اللَّه وَالَّذينَ آوَوْا وَّنَصَرُوْا أُوْلَئكَ هُمُ المُؤمنُونَ حَقًّا ) * كلام مسوق للثناء على القسمين الأولين من الأقسام الثلاثة للمؤمنين وهم المهاجرون والأنصار بأنهم الفائزون بالقدح المعلى من الإيمان مع الوعد الكريم بقوله سبحانه : * ( لَّهُم مَّغفرةٌ ) * لا يقادر قدرها * ( وَرزْقٌ كَريمٌ ) * أي لا تبعة له ولا منة فيه ، وقيل : هو الذي لا يستحيل نجوا في الأجواف وهو رزق الجنة . * ( والَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَائِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَاب اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَئٍ عَلِيمٌ ) * . * ( وَالَّذينَ آمَنُوْا منْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ ) * أي في بعض أسفاركم ، والمراد بهم قيل : المؤمنون المهاجرون من بعد صلح الحديبية وهي الهجرة الثانية ، وقيل : من بعد نزول الآية ، وقيل : من بعد غزوة بدر ، والأصح أن المراد بهم الذين هاجروا بعد الهجرة الأولى * ( فَأُولَائكَ منْكُمْ ) * أي من جملتكم أيها المهاجرون والأنصار ، وفيه إشارة إلى أن السابقين هم السابقون في الشرف وأن هؤلاء دونهم فيه ، ويؤيد أمر شرفهم توجيه الخطاب إليهم بطريق الالتفات ، وبهذا القسم صارت أقسام المؤمنين أربعة ، والتوارث إنما هو في القسمين الأولين على ما علمت ؛ وزعم الطبرسي أن ذلك الحكم يثبت لهؤلاء أيضاً فيكون التوارث بين ثلاثة أقسام ، وجعل معنى * ( منكم ) * من جملتكم وحكمهم حكمكم في وجوب الموالاة والموارثة والنصرة ولم أره لأصحابنا . * ( وَأُولُوا الأَرْحَام ) * أي ذوو القرابة * ( بَعْضُهُمْ أَوْلَى ببَعْض ) * آخر منهم في التوريث من الأجانب * ( في كِتَاب الله ) * أي في حكمه أو في اللوح المحفوظ ، أخرج الطيالسي . والطبراني . وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : " آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه وورث بعضهم من بعض حتى نزلت هذه الآية فتركوا ذلك وتوارثوا بالنسب ، وأخرج ابن مردويه عنه رضي الله تعالى عنه قال : توارث المسلمون لما قدموا المدينة بالهجرة ثم نسخ ذلك بهذه الآية ، واستدل بها على توريث ذوي الأرحام الذين ذكرهم الفرضيون ، وذلك لأنها نسخ بها التوارث بالهجرة ولم يفرق بين العصبات وغيرهم فيدخل من لا تسمية لهم ولا تعصيب وهم - هم - وبها أيضاً احتج ابن مسعود كما أخرجه ابن أبي حاتم . والحاكم على أن ذوي الأرحام أولى من مولى العتاقة ، ولما سمع الحبر قال : هيهات هيهات أين ذهب ؟ إنما كان المهاجرون يتوارثون دون الاعراب فنزلت ، وخالفه سائر الصحابة رضي الله تعالى عنهم أيضاً على ما قيل . وأنت تعلم أنه إذا أريد بكتاب الله تعالى آيات المواريث السابقة في سورة النساء أو حكمه سبحانه المعلوم هناك لا يبقى للاستدلال على توريث ذوي الأرحام بالآية وجه ، وكذا ما قاله ابن الفرس من أنه قد يستدل بها لمن قال : إن القريب أولى بالصلاة على الميت من الوالي * ( إنَّ اللَّهَ بكُلِّ شَيْء عَليمٌ ) * ومن جملته ما في تعليق التوارث بالقرابة الدينية أولاً على الوجه السابق وبالقرابة النسبية آخراً من الحكم البالغة . هذا ومن باب إشارة : * ( والذين آمنوا ) * الإيمان العلمي * ( وهاجروا ) * من أوطان نفوسهم * ( وجاهدوا بأموالهم ) * بإنفاقها حتى تخللوا بعباء التجرد والانقطاع إلى الله عز وجل * ( وأنفسهم ) * باتعابها بالرياضة ومحاربة الشيطان وبذلها في سبيل الله تعالى وطريق الوصول إليه * ( والذين آووا ) * إخوانهم في الطريق ونصروهم على عدوهم بالإمداد * ( أولئك بعضهم أولياء بعض ) * بميراث الحقائق والعلوم النافعة * ( والذين آمنوا ولم يهاجروا ) *
تفسير الآلوسي — صفحة 39 | الآلوسي