هذه الخليفة من حقائق الاسرار و بدائع الانوار الف الف لطيفة . اختلفوا فى معنى جاعل ، /
b
134 / فمنهم من قال بانّه بمعنى خالق . و منهم من قال انّه بمعنى فاعل . و الارض قيل انّها مكّة . قال عليه السّلام : دحيت الارض من مكّة ، و لذلك سمّيت امّ القرى . و الخليفة هو القائم مقام غيره من قولهم خلف فلان فلانا ؛ و الخلف بتحريك اللّام من الصّالحين و بتسكينها من الطّالحين ، و فى التّنزيل : فخلف من بعدهم خلف .
و فى الحديث : ينقل هذا العلم من كلّ خلف عدوله . و فى خلافة آدم و ذرّيته اقاويل :
احدها : انّ الجنّ كانوا سكّان الارض فافسدوا فيها و يسفكوا الدّماء فجعل آدم و ذرّيته بدلهم . و هذا قول ابن عبّاس .
و الثّانى : انّه اراد قوما يخلف بعضهم بعضا من ولد آدم الّذين يخلفون آباءهم آدم فى اقامة الحقّ و عمارة الارض . و هذا قول الحسن .
و الثّالث انّه اراد خليفة يخلفنى فى الحكم بين خلقى و هو آدم و من قام مقامه من ولده و هذا قول ابن مسعود .
قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها
، الآية . و هذا جواب من الملائكة و اختلفوا فى جوابهم هذا هل هو على طريق الاستفهام ام على طريق الايجاب على وجهين :
احدهما انّهم قالوا على طريق الاستفهام و الاستخبار حين قال لهم انّى جاعل فى الارض خليفة ، فقال : ربّنا اعلمنا أ جاعل انت فى الارض من يفسد فيها و يسفك الدّماء فاجابهم انّى اعلم و لم يخبرهم .
و الثّانى انّه جواب ايجاب و ان خرجت الالف مخرج الاستفهام ، كما قال بعضهم :
شعر
الستم خير من ركب المطايا * و اندى العالمين بطون راح
معناه انتم كذلك فعلى هذا الوجه فى جوابهم قولان :
احدهما انّهم قالوه ظنّا لانّهم رأوا الجنّ من قبلهم افسدوا و سفكوا فتصوّروا انّه ان استخلف غيرهم كانوا مثلهم فانكر اللّه تعالى ذلك ، و قال : انّى اعلم ما لا تعلمون . و هذا قول ابن عباس و ابن مسعود و قتادة .
و الثّانى انّهم قالوا يقينا لانّ اللّه تعالى كان قد اخبرهم انّه يستخلف فى الارض من يفسد فيها فاجابوه .