تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
وليسوا عليها في الحقيقة لعدم عملهم بموجبها ومخالفتهم لما في الإنجيل من التبشير بنبينا صلى الله عليه وسلم ، وقيل : للإشارة إلى أنهم لقبوا بذلك أنفسهم على معنى أنهم أنصار الله تعالى ، وأفعالهم تقتضي نصرة الشيطان ، فيكون العدول عن الظاهر ليتصور تلك الحال في ذهن السامع ويتقرر أنهم ادعوا نصرة الله تعالى وهم منها بمعزل ، ونكتة تخصيص هذا الموضع بإسناد النصرانية إلى دعواهم أنه لما كان المقصود في هذه الآية ذمهم بنقض الميثاق المأخوذ عليهم في نصرة الله تعالى ناسب ذلك أن يصدر الكلام بما يدل على أنهم لم ينصروا الله تعالى ولم يفوا بما واثقوا عليه من النصرة وما كان حاصل أمرهم إلا التفوه بالدعوى وقولها دون فعلها ، ولا يخفى أن هذا مبني على أن وجه تسميتهم نصارى كونهم أنصار الله تعالى وهو وجه مشهور ، ولهذا يقال لهم أيضاً : أنصار ، وفي غير ما موضع أن عيسى عليه السلام ولد في سنة أربع وثلاثمائة لغلبة الإسكندر في بيت لهم من المقدس ، ثم سارت به أمه عليها السلام إلى مصر ، ولما بلغ اثنتي عشرة سنة عادت به إلى الشام فأقام ببلدة تسمى الناصرة ، أو " تصورية وبها سميت النصارى ونسبوا إليها ، وقيل : إنهم جمع نصران كندامي . وندمان - أو جمع نصري - كمهري . ومهاري - والنصرانية والنصرانة واحدة النصارى ، والنصرانية أيضاً دينهم ، ويقال لهم : نصارى وأنصار ، وتنصر دخل في دينهم " . * ( فَنَسُواْ ) * على إثر أخذ الميثاق * ( حَظًّا ) * نصيباً وافراً * ( مِّمَّا ذُكِّرُواْ به ) * في تضاعيف الميثاق من الإيمان بالله تعالى وغير ذلك من الفرائض ، وقيل : هو ما كتب عليهم في الإنجيل من الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم فنبذوه وراء ظهورهم واتبعوا أهواءهم وتفرقوا إلى اثنتين وسبعين فرقة * ( فَأَغْرَيْنَا ) * أي ألزمنا وألصقنا ، وأصله اللصوق يقال : غريت بالرجل غري إذا لصقت به قاله الأصمعي ، وقال غيره : غريت به غراءاً بالمد ، وأغريت زيداً بكذا حتى غري به ، ومنه الغراء الذي يلصق به الأشياء ، وقوله تعالى : * ( بَيْنَهُمُ ) * ظرف - لأغرينا - أو متعلق بمحذوف وقع حالاً من مفعوله أي أغرينا * ( الْعَدَاوَةَ والْبَغْضَاءَ ) * كائنة بينهم . قال أبو البقاء : ولا سبيل إلى جعله ظرفاً لهما لأن المصدر لا يعمل فيما قبله ، وأنت تعلم أن منهم من أجاز ذلك إذا كان المعمول ظرفاً ، وقوله تعالى : * ( إلَى يَوْم الْقيَامَة ) * إما غاية للإغراء ، أو للعداوة والبغضاء أي يتعادون ويتباغضون إلى يوم القيامة حسبما تقتضيه أهواؤهم المختلفة وآراؤهم الزائغة المؤدية إلى التفرق إلى الفرق الكثيرة ، ومنها النسطورية واليعقوبية والملكانية ، وقد تقدم الكلام فيهم ، فضمير * ( بينهم ) * إلى النصارى كما روي عن الربيع ، واختاره الزجاج . والطبري ، وعن الحسن . وجماعة من المفسرين أنه عائد على اليهود والنصارى . * ( وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ) * في الدنيا من نقض الميثاق ونسيان الحظ الوافر مما ذكروا به ، والكلام مساق للوعيد الشديد بالجزاء والعقاب ؛ فالانباء مجاز عن وقوع ذلك وانكشافه لهم ، لا أن ثمت أخباراً حقيقة ، والنكتة في التعبير بالإنباء الإنباء بأنهم لا يعلمون حقيقة ما يعملونه من الأعمال السيئة واستتباعها للعذاب ، فيكون ترتيب العذاب عليها في إفادة العلم بحقيقة حالها بمنزلة الإخبار بها ، والالتفات إلى ذكر الاسم الجليل لما مرّ مراراً ، والتعبير عن العمل بالصنع للإيذان برسوخهم فيه و * ( سوف ) * لتأكيد الوعيد . * ( يَا أَهْلَ الكتاب قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكتاب وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِّنَ اللَّهِ نُورٌ كتاب مُّبِينٌ ) * . * ( يَا أَهْلَ الكتاب ) * التفات إلى خطاب الفريقين من اليهود والنصارى على أن الكتاب جنس صادق بالواحد