تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
معها الموصوف ، وفسرت بالكواسب من سباع البهائم والطير ، وهو من قولهم : جرح فلان أهله خيراً إذا أكسبهم ، وفلان جارحة أهله أي كاسبهم ، وقيل : سميت جوارح لأنها تجرح الصيد غاباً . وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما . والسدي . والضحاك - وهو المروي عن أئمة أهل البيت بزعم الشيعة - أنها الكلاب فقط * ( مُكَلِّبينَ ) * أي معلمين لها الصيد ، والمكلب مؤدب الجوارح ؛ ومضربها بالصيد ، وهو مشتق من الكلب لهذا الحيوان المعروف لأن التأديب كثيراً ما يقع فيه ؛ أو لأن كل سبع يسمى كلباً على ما قيل ، فقد أحرج الحاكم في المستدرك - وقال : صحيح الإسناد - من حديث أبي نوفل قال : " كان لهب بن أبي لهب يسب النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال صلى الله عليه وسلم : اللهم سلط عليه كلباً من كلابك - أو كلبك - فخرج في قافلة يريد الشام فنزلوا منزلاً فيه سباع فقال : إني أخاف دعوة محمد صلى الله عليه وسلم فجعلوا متاعه حوله وقعدوا يحرسونه فجاء أسد فانتزعه وذهب به " ، ولا يخفى أن في شمول ذلك لسباع الطير نظراً ، ولا دلالة في تسمية الأسد كلباً عليه . وجوز أن يكون مشتقاً من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة ، يقال : هو كلب بكذا إذا كان ضارياً به ، وانتصابه على الحالية من فاعل * ( علمتم ) * ، وفائدتها المبالغة في التعليم لما أن المكلب لا يقع إلا على النحرير في علمه ، وعن ابن عباس . وابن مسعود . والحسن رضي الله تعالى عنهم أنهم قرأوا * ( مكلبين ) * بالتخفيف من أكلب ، وفعل وأفعل قد يستعملان بمعنى واحد * ( تُعَلِّمُونَهُنَّ ) * حال من ضمير * ( مكلبين ) * أو استئنافية إن لم تكن * ( ما ) * شرطية وإلا فهي معترضة ، وجوز أن تكون حالاً ثانية من ضمير * ( علمتم ) * ومنع ذلك أبو البقاء بأن العامل الواحد لا يعمل في حالين وفيه نظر ، ولم يستحسن جعلها حالاً من * ( الجوارح ) * للفصل بينهما . * ( ممَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ) * من الحيل وطرق التعليم والتأديب ، وذلك إما بالإلهام منه سبحانه ، أو بالعقل الذي خلقه فيهم جل وعلا ، وقيل : المراد مما عرفكم سبحانه أن تعلموه من اتباع الصيد بأن يسترسل بارسال صاحبه . وينزجر بزجره . وينصرف بدعائه . ويمسك عليه الصيد ولا يأكل منه . ورجح بدلالته على أن المعلم ينبغي أن يكون مكلباً فقيهاً أيضاً ، و - من - أجلة ، وقيل : تبعيضية أي بعض ما علمكم الله * ( فَكُلُواْ ممَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ) * جملة متفرعة على بيان حل صيد الجوارح المعلمة مبينة للمضاف المقدر ومشيرة إلى نتيجة التعليم وأثره ، أو جواب للشرط ، أو خبر للمبتدأ ، و - من - تبعيضية إذ من الممسك ما لا يؤكل كالجلد والعظم وغير ذلك ، وقيل : زائدة على رأي الأخفش ؛ وخروج ما ذكر بديهي ؛ و * ( ما ) * موصولة أو موصوفة ، والعائد محذوف أي أمسكنه ، وضمير المؤنث للجوارح ، و * ( عليكم ) * متعلق بأمسكن ، والاستعلاء مجازي ؛ والتقييد بذلك لا خراج ما أمسكنه على أنفسهن ، وعلامته أن يأكلن منه فلا يؤكل منه ؛ وقد أشار إلى ذلك صلى الله عليه وسلم ، روي أصحاب السنن عن عدي بن حاتم قال : " سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن صيد الكلب المعلم فقال عليه الصلاة والسلام : إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله تعالى فكل مما أمسك عليك ، فإن أكل منه فلا تأكل ، فإنما أمسك على نفسه " وإلى هذا ذهب أكثر الفقهاء ، وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه . والشعبي . وعكرمة ، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه . وأصحابه : إذا أكل الكلب من الصيد فهو غير معلم لا يؤكل صيده ، ويؤكل صيد البازي ونحوه وإن أكل ، لأن تأديب سباع الطير إلى حيث لا تؤكل متعذر ، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، فقد أخرج عبد بن حميد
تفسير الآلوسي — صفحة 63 | الآلوسي