تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
وعن وكيع أنها أحجار الشطرنج * ( ذالكُمْ ) * أي الاستقسام بالأزلام ، ومعنى البعد فيه الإشارة إلى بعد منزلته في الشر * ( فسْقٌ ) * أي ذنب عظيم وخروج عن طاعة الله تعالى إلى معصيته لما أشرنا إليه ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن * ( ذلكم ) * إشارة إلى تناول جميع ما تقدم من المحرمات المعلوم من السياق * ( الْيَوْمَ ) * أي الزمان الحاضر وما يتصل به من الأزمنة الآتية ، وقيل : يوم نزول الآية ، وروي ذلك عن ابن جريج . ومجاهد . وابن زيد ، وكان - كما رواه الشيخان عن عمر رضي الله تعالى عنه - عصر يوم الجمعة عرفة حجة الوداع ، وقيل : يوم دخوله صلى الله عليه وسلم مكة لثمان بقين من رمضان سنة تسع ، وقيل : سنة ثمان ، وهو منصوب على الظرفية بقوله تعالى : * ( يَئسن الَّذينَ كَفَرُواْ من دينكُمْ ) * والياس انقطاع الرجاء وهو ضد الطمع . والمراد انقطع رجاؤهم من إبطال دينكم ورجوعكم عنه بتحليل هذه الخبائث وغيرها ، أو من أن يعلبوكم عليه لما شاهدوا أن الله تعالى وفي بوعده حيث أظهره على الدين كله . وروي أنه لما نزلت الآية نظر صلى الله عليه وسلم في الموقف فلم ير إلا مسلماً ، ورجح هذا الاحتمال بأنه الأنسب بقوله سبحانه : * ( فَلاَ تَخْشَوْهُمْ ) * أن يظهروا عليكم وهو متفرع عن اليأس * ( واخْشَوْن ) * أن أحل بكم عقابي إن خالفتم أمري وارتكبتم معصيتي * ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينَكُمْ ) * بالنصر والإظهار لأنهم بذلك يجرون أحكام الدين من غير مانع وبه تمامه ، وهذا كما تقول : تم لي الملك إذا كفيت ما تخافه ، وإلى ذلك ذهب الزجاج ، وعن ابن عباس . والسدي أن المعنى اليوم أكملت لكم حدودي . وفرائضي . وحلالي . وحرامي بتنزيل ما أنزلت . وبيان ما بينت لكم فلا زيادة في ذلك ولا نقصان منه بالنسخ بعد هذا اليوم ، وكان يوم عرفة عام حجة الوداع ، واختاره الجبائي . والبلخي . وغيرهما ، وادعوا أنه لم ينزل بعد ذلك شيء من الفرائض على رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحليل ولا تحريم ، وأنه عليه الصلاة والسلام لم يلبث بعد سوى أحد وثمانين يوماً ، ومضى - روحي فداه - إلى الرفيق الأعلى صلى الله عليه وسلم . وفهم عمر رضي الله تعالى عنه لما سمع الآية نعى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد أخرج ابن أبي شيبة عن عنترة " أن عمر رضي الله تعالى عنه لما نزلت الآية بكى فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ما يبكيك ؟ قال : أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا فأما إذا كمل فإنه لم يكمل شيء قط إلا نقص فقال عليه الصلاة والسلام : صدقت " ولا يحتج بها على هذا القول على إبطال القياس - كما زعم بعضهم - لأن المراد إكمال الدين نفسه بيان ما يلزم بيانه ، ويستنبط منه غيره والتنصيص على قواعد العقائد ، والتوقيف على أصول الشرع وقوانين الاجتهاد ، وروي عن سعيد بن جبير . وقتادة أن المعنى * ( اليوم أكملت لكم ) * حجكم وأقررتكم بالبلد الحرام تحجونه دون المشركين - واختاره الطبري - وقال : يرد على ما روي عن ابن عباس . والسدي رضي الله تعالى عنهم أن الله تعالى أنزل بعد ذلك آية الكلالة وهي آخر آية نزلت ، واعترض بالمنع ، وتقديم الجار للإيذان من أول الأمر بأن الإكمال لمنفعتهم ومصلحتهم ، وفيه أيضاً تشويق إلى ذكر المؤخر كما في قوله تعالى : * ( وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نعْمَتي ) * وليس الجار فيه متعلقاً - بنعمتي - لأن المصدر لا يتقدم عليه معموله ، وقيل : متعلق به ولا بأس بتقدم معمول المصدر إذا كان ظرفاً ، وإتمام النعمة على المخاطبين بفتح مكة ، ودخولها
تفسير الآلوسي — صفحة 60 | الآلوسي