تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
- والأهواء - جمع هوى وهو الباطل الموافق للنفس ، والمراد لا توافقوهم في مذاهبهم الباطلة التي لم يدع إليها سوى الشهوة ولم تقم عليها حجة * ( وَأَضَلُّواْ كَثيراً ) * أي أناساً كثيراً ممن تابعهم ووافقهم فيما دعوا إليه من البدعة والضلالة ، أو إضلالاً كثيراً ، والمفعول به حينئذٍ محذوف * ( وَضَلُّواْ ) * عند بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ووضوح محجة الحق وتبين مناهج الإسلام * ( عَن سَوَاء السَّبيل ) * أي قصد السبيل الذي هو الإسلام ، وذلك حين حسدوا النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذبوه وبغوا عليه ، فلا تكرار بين * ( ضلوا ) * هنا و * ( ضلوا من قبل ) * ، والظاهر أن * ( عن ) * متعلقة بالأخير ، وجوز أن تكون متعلقة بالأفعال الثلاثة ، ويراد - بسواء السبيل - الطريق الحق ، وهو بالنظر إلى الأخير دين الإسلام ، وقيل : في الإخراج عن التكرار أن الأول : إشارة إلى ضلالهم عن مقتضى العقل ، والثاني : إلى ضلالهم عما جاء به الشرع ، وقيل : إن ضمير * ( ضلوا ) * الأخير عائد على - الكثير - لا على * ( قوم ) * والفعل مطاوع للإضلال ، أي - إن أولئك القوم أضلوا كثيراً من الناس ، وأن أولئك الكثير قد ضلوا بإضلال أولئك هم - فلا تكرار ، وقيل : أيضاً قد يراد - بالضلال - الأول الضلال بالغلو في الرفع والوضع مثلاً وكذا بالإضلال ، ويراد - بالضلال عن سواء السبيل - الضلال عن واضحات دينهم وخروجهم عنه بالكلية ، وقال الزجاج : المراد بالضلال الأخير ضلالهم في الإضلال أي - إن هؤلاء ضلوا في أنفسهم وضلوا بإضلالهم لغيرهم - كقوله تعالى : * ( ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ) * ( النحل : 25 ) ، ونقل هذا - كالقيل الأول - عن الراغب ، وجوز أيضاً أن يكون قوله سبحانه وتعالى : * ( عن سواء ) * متعلقاً ب * ( قد ضلوا من قبل ) * إلا أنه لما فصل بينه وبين ما يتعلق به أعيد ذكره ، كقوله تعالى : * ( لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ) * ( آل عمران : 188 ) ولعل ذم القوم على ما ذهب إليه الجمهور أشنع من ذمهم على ما ذهب إليه غيرهم ، والله تعالى أعلم بمراده . . * ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِى إِسْرَاءِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ) * . * ( لُعنَ الَّذينَ كَفَرُواْ من بَني إسْرَائيلَ ) * أي لعنهم الله تعالى ، وبناء الفعل لما لم يسم فاعله للجري على سنن الكبرياء ، والجار متعلق بمحذوف وقع حالاً من الموصول أو من فاعل * ( كفروا ) * وقوله سبحانه وتعالى ، * ( عَلَى لسَان دَاوُدَ وَعيسَى ابْن مَرْيَمَ ) * متعلق - بلعن - أي لعنهم جل وعلا في الإنجيل والزبور على لسان هذين النبيين عليهما السلام بأن أنزل سبحانه وتعالى فيهما - ملعون من يكفر من بني إسرائيل بالله تعالى أو أحد من رسله عليهم السلام ، وعن الزجاج إن المراد : أن داود وعيسى عليهما الصلاة والسلام أعلما بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبشرا به وأمرا باتباعه ، ولعنا من كفر به من بني إسرائيل ، والأول أولى ، وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وقيل : إن أهل أيلة لما اعتدوا في السبت قال داود عليه الصلاة والسلام : اللهم ألبسهم اللعن مثل الرداء ومثل المنطقة على الحقوين ، فمسخهم الله تعالى قردة ، وأصحاب المائدة لما كفروا قال عيسى عليه الصلاة والسلام : اللهم عذب من كفر بعد ما أكل من المائدة عذاباً لم تعذبه أحداً من العالمين والعنهم كما لعنت أصحاب السبت ، فأصبحوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل ما فيهم امرأة ولا صبي وروي هذا القول عن الحسن ومجاهد وقتادة ، وروي مثله عن الباقر رضي الله تعالى عنه ، واختاره غير واحد ، والمراد باللسان الجارحة ، وإفراده أحد الاستعمالات الثلاث المشهورة في مثل ذلك ،