ما لا يعقل على من يعقل تحقيراً ، وقيل : أريد بها النوع كما في قوله تعالى : * ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء ) * ( النساء : 3 ) . وقيل : يمكن أن يكون المراد الترقي من توبيخ النصارى على عبادة عيسى عليه الصلاة والسلام إلى توبيخهم على عبادة الصليب - فما - على بابها ، ولا يخفى بعده وتقديم الضر على النفع لأن التحرز عنه أهم من تحري النفع ولأن أدنى درجات التأثير دفع الشر ثم جلب الخير ، وتقديم المفعول الغير الصريح على المفعول الصريح لما مرّ مراراً من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر .
وقوله سبحانه وتعالى : * ( واللَّهُ هُوَ السَّميعُ الْعَليمُ ) * في موضع الحال من فاعل * ( أتعبدون ) * مقرر للتوبيخ متضمن للوعيد ، والواو هو الواو ، أي أتعبدون غير الله تعالى وتشركون به سبحانه ما لا يقدر على شيء ولا تخشونه ، والحال أنه سبحانه وتعالى المختص بالإحاطة التامة بجميع المسموعات والمعلومات التي من جملتها ما أنتم عليه من الأقوال الباطلة والعقائد الزائغة ، وقد يقال : المعنى أتعبدون العاجز والله هو الذي يصح أن يسمع كل مسموع ويعلم كل معلوم ، ولن يكون كذلك إلا وهو حي قادر على كل شيء ، ومنه الضر والنفع والمجازاة على الأقوال والعقائد إن خيراً فخير وإن شراً فشر ، وفرق بين الوجهين بأن * ( ما ) * على هذا الوجه للتحقير ، والوصفية على هذا الوجه على معنى أن العدول إلى المبهم استحقار إلا أن * ( ما ) * للوصف والحال مقررة لذلك ، وعلى الأول للتحقير المجرد ، والحال كما علمت فافهم . .
* ( قُلْ يا أَهْلَ الكتاب لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ ) * .
* ( قُلْ يَا أَهْلَ الكتاب ) * تلوين للخطاب وتوجيه له لفريقي أهل الكتاب بإرادة الجنس من المحلى بأل على لسان النبي صلى الله عليه وسلم . واختار الطبرسي كونه خطاباً للنصارى خاصة لأن الكلام معهم * ( لاَ تَغْلُواْ في دينكُمْ ) * أي لا تجاوزوا الحدّ ، وهو نهي للنصارى عن رفع عيسى عليه الصلاة والسلام عن رتبة الرسالة إلى ما تقوّلوا في حقه من العظيمة ، وكذا عن رفع أمه عن رتبة الصديقية إلى ما انتحلوه لها عليها السلام ، ونهي لليهود على تقدير دخولهم في الخطاب عن وضعهم له عليه السلام ، وكذا لأمه عن الرتبة العلية إلى ما افتروه من الباطل والكلام الشنيع ، وذكرهم بعنوان أهل الكتاب للإيماء إلى أن في كتابهم ما ينهاهم عن الغلو في دينهم * ( غَيْرَ الْحَقِّ ) * نصب على أنه صفة مصدر محذوف أي غلو غير الحق - أي باطلاً - وتوصيفه به للتوكيد فإن الغلو لا يكون إلا غير الحق على ما قاله الراغب ، وقال بعض المحققين : إنه للتقييد ، وما ذكره الراغب غير مسلم ، فإن الغلو قد يكون غير حق ، وقد يكون حقا كالتعمق في المباحث الكلامية . وفي " الكشاف " " الغلو في الدين غلوّ ان : ( غلو ) حق - وهو أن يفحص عن حقائقه ويفتش عن أباعد معانيه ويجتهد في تحصيل حججه كما يفعله المتكلمون من أهل العدل والتوحيد - وغلو باطل - وهو أن يجاوز الحق ويتخطاه بالإعراض عن الأدلة واتباع الشبه كما يفعله أهل الأهواء والبدع " - انتهى ، وقد يناقش فيه على ما فيه من الغلو في التمثيل بأن الغلو المجاوزة عن الحد ، ولا مجاوزة عنه ما لم يخرج عن الدين ، وما ذكر ليس خروجاً عنه حتى يكون غلواً ، وجوز أن يكون * ( غير ) * حالاً من ضمير الفاعل أي : لا تغلوا مجاوزين الحق ، أو من دينكم أي : لا تغلوا في دينكم حال كونه باطلاً منسوخاً ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم ، وقيل : هو نصب على الاستثناء المتصل أو المنقطع .
* ( وَلاَ تَّتَبعُواْ أَهْوَاءَ قَوْم قَدْ ضَلُّواْ من قَبْلُ ) * وهم أسلافهم وأئمتهم الذين قد ضلوا من الفريقين أو من النصارى قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم في شريعتهم ،
تفسير الآلوسي — صفحة 210
مساهمون: الآلوسي
ص٢١٠