بعده ، وإن عُدّ أحسن الوجوه ، وقيل : إنه منصوب بفتحة مقدرة على الواو والعطف حينئذ مما لا خفاء فيه ، واعترض بأن لغة - لحارث وغيرهم - الذين جعلوا المثنى دائماً بالألف نحو - رأيت الزيدان ومررت بالزيدان - وأعربوه بحركات مقدرة ، إنما هي في المثنى خاصة ، ولم ينقل نحو ذلك عنهم في الجمع خلافاً لما تقتضيه عبارة أبي البقاء ، والمسألة مما لا يجري فيها القياس فلا ينبغي تخريج القرآن العظيم على ذلك ، وقرأ أبي وكذا ابن كثير - والصابئين - وهو الظاهر - والصابيون - بقلب الهمزة ياءاً على خلاف القياس - والصابون - بحذفها من صبا بإبدال الهمزة ألفاً فهو كرامون من رمى . وقرأ عبد الله - يا أيها الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون - .
وقوله سبحانه وتعالى : * ( مِّنْ آمَنَ بالله والْيَوْم الآخر وَعَمَلَ صَالحاً ) * إما في محل رفع على أنه مبتدأ خبره قوله تعالى : * ( فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) * والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط ، وجمع الضمائر الأخيرة باعتبار معنى الموصول كما أن إفراد ما في صلته باعتبار لفظه ، والجملة خبر * ( إن ) * أو خبر المبتدأ ، وعلى كل لا بدّ من تقدير العائد أي من آمن منهم ، وإما في محل النصب على أنه بدل من اسم * ( إن ) * وما عطف عليه ، أو ما عطف عليه فقط ، وهو بدل بعض ، ولا بدّ فيه من الضمير كما تقرر في العربية فيقدر أيضاً ، وقوله تعالى : * ( فلا خوف ) * الخ خبر ، والفاء كما في قوله عز وجل : * ( إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ) * ( البروج : 10 ) الآية ، والمعنى - كما قال غير واحد - على تقدير كون المراد - بالذين آمنوا - المؤمنين بألسنتهم وهم المنافقون من أحدث من هؤلاء الطوائف إيماناً خالصاً بالمبدأ والمعاد على الوجه اللائق لا كما يزعمه أهل الكتاب فإنه بمعزل عن ذلك ، وعمل عملاً صالحاً حسبما يقتضيه الإيمان فلا خوف عليهم حين يخاف الكفار العقاب ولا هم يحزنون حين يحزن المقصرون على تضييع العمر وتفويت الثواب ، والمراد بيان ( دوام ) انتفاء الأمرين لا ( بيان ) ( 1 ) انتفاء دوامهما على ما مرت الإشارة إليه غير مرة ، وأما على تقدير كون المراد - بالذين آمنوا - المتدينين بدين النبي صلى الله عليه وسلم مخلصين كانوا أو منافقين ، فالمراد بمن آمن من اتصف منهم بالإيمان الخالص بما ذكر على الإطلاق سواء كان ذلك بطريق الثبات والدوام - كما في المخلصين - أو بطريق الإحداث والإنشاء - كما هو حال من عداهم من المنافقين ، وسائر الطوائف - وليس هناك الجمع بين الحقيقة والمجاز كما لا يخفى لأن الثبات على الإيمان والإحداث فردان من مطلق الإيمان إلا أن في هذا الوجه ضم المخلصين إلى الكفرة ، وفيه إخلال بتكريمهم ، وربما يقال : إن فائدة ذلك المبالغة في ترغيب الباقين في الإيمان ببيان أن تأخرهم في الاتصاف به غير مخل بكونهم أسوة لأولئك الأقدمين الأعلام ؛ وتمام الكلام قد مر في آية البقرة فليراجع . .
* ( لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَني إِسْرَاءِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ) * .
* ( لَقَدْ أَخَذْنَا ميثاق بَنِي إسْرائيلَ ) * كلام مبتدأ مسوق لبيان بعض آخر من جناياتهم المنادية باستبعاد الإيمان منهم ، وجعله بعضهم متعلقاً بما افتتح الله تعالى به السورة ، وهو قوله سبحانه : * ( أوفوا بالعقود ) * ( المائدة : 1 ) ولا يخفى بعده . والمراد بالميثاق المأخوذ العهد المؤكد الذي أخذه أنبياؤهم عليهم في الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم واتباعه فيما يأتي ويذر ، أو في التوحيد وسائر الشرائع والأحكام المكتوبة عليهم في التوراة . * ( وَأَرْسَلْنا إلَيْهمْ رُسُلاً ) * ذوي عدد كثير وأولي شأن خطير ، يعرفونهم ذلك . ويتعهدونهم بالعظة والتذكير ويطلعونهم على ما يأتون ويذرون في دينهم .
* ( كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُول بمَا لاَ تَهْوَى أنفُسُهُمْ ) * أي بما لا تميل إليه من
تفسير الآلوسي — صفحة 203
مساهمون: الآلوسي
ص٢٠٣