الإيمان والعمل الصالح فغيرهم أولى بذلك ، ومن هنا قيل : إن الجملة كاعتراض دل به على ما ذكر ، وإنما لم تجعل اعتراضاً حقيقة لأنها معطوفة على جملة * ( إن الذين ) * وخبرها ، وأورد عليه ما قاله ابن هشام من أن فيه تقديم الجملة المعطوفة على بعض الجملة المعطوف عليها ، وإنما يتقدم المعطوف على المعطوف عليه في الشعر ، فكذا ينبغي أن يكون تقديمه على بعض المعطوف عليه بل هو أولى منه بالمنع ، وأما ما أجاب به عنه بأن الواو واو الاستئناف التي تدخل على الجمل المعترضة ، كقوله تعالى : * ( فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار ) * ( البقرة : 24 ) الخ ، وهذه الجملة معترضة لا معطوفة ، فلا يتمشى فيما نحن فيه لأنه يفوّت نكتة التقديم من تأخير التي أشير إليها لأنها إذا كانت معترضة لا تكون مقدمة من تأخير ، وبعض المحققين صرف الخبر المذكور إلى قوله تعالى : * ( والصابئون ) * وجعل خبر * ( إن ) * محذوفاً ، وهو القول الآخر للنحاة في مثل هذا التركيب ، وهو موافق للاستعمال أيضاً كما في قوله : نحن بما عندنا وأنت بما * عندك ( راض ) والرأي مختلف
فإن قوله : - راض - خبر - أنت - وخبر - نحن - محذوف ، ورجح بأن الإلحاق بالأقرب أقرب ، وبأنه خال عما يلزم على التوجيه الأول ، نعم غاية ما يرد عليه أن الأكثر الحذف من الثاني لدلالة الأول ، وعكسه قليل لكنه جائز ، وعورض بأن الكلام فيما نحن فيه مسوق لبيان حال أهل الكتاب ، فصرف الخبر إليهم أولى ، وفي توسيط بيان حال الصابئين ما علمت من التأكيد ، وأيضاً في صرف الخبر إلى الثاني فصل للنصارى عن اليهود وتفرقة بين أهل الكتاب لأنه حينئذ عطف على قوله سبحانه : * ( والصابئون ) * قطعاً ، نعم لو صح أن المنافقين واليهود أوغل المعدودين في الضلال ، والصابئين والنصارى أسهل حسن تعاطفهما وجعل المذكور خبراً عنهما ، وترك كلمة التحقيق المذكورة في الأولين دليلاً على هذا المعنى ، وقيل : إن * ( الصابئون ) * عطف على محل * ( إن ) * واسمها ، وقد أجازه بعضهم مطلقاً ، وبعضهم منعه مطلقاً ، وفصل آخرون فقالوا : يمتنع قبل مضي الخبر ويجوز بعده . وذهب الفراء إلى أنه إن خفى إعراب الاسم جاز لزوال الكراهة اللفظية نحو : إنك وزيد ذاهبان وإلا امتنع ، والمانع عند الجمهور لزوم توارد عاملين ، وهما ( إن ) والابتداء أو المبتدأ على معمول واحد وهو الخبر ، ولهذا ضعفوا هذا القول في الآية ، وبنوا على مذهب الكوفيين ، وكون خبر المعطوف فيها محذوفاً - وحينئذ لا يلزم التوارد - ليس بشيء لأن الجملة حينئذ تكون معطوفة على الجملة ، ولم يكن ذلك من العطف على المحل في شيء ، ومن قال : إن خبر * ( إن ) * مرفوع بما كان مرفوعاً به قبل دخولها لم يلزم عليه حديث التوارد . ونقل عن الكسائي إن العطف على الضمير في * ( هادوا ) * وخطأه الزجاج بأنه لا يعطف على الضمير المرفوع المتصل من غير فصل ، وبأنه لو عطف على الفاعل لكان التقدير - وهاد الصابئون - فيقتضي أنهم هود - وليس كذلك - ولعل الكسائي يرى صحة العطف من غير فاصل فلا يرد عليه الاعتراض الأول ، وقيل : * ( إن ) * بمعنى نعم الجوابية ولا عمل لها حينئذ ، فما بعدها مرفوع المحل على الابتداء والمرفوع معطوف عليه ، وضعفه أبو حيان بأن ثبوت * ( إن ) * بمعنى نعم فيه خلاف بين النحويين . وعلى تقدير ثبوته فيحتاج إلى شيء يتقدمها تكون تصديقاً له ولا يجيئ أول الكلام ، والجواب بأن ثمة سؤالاً مقدراً بعيد ركيك ، وقيل : إن - الصابئين - عطف على الصلة بحذف الصدر أي الذين هم الصابئون ، ولا يخفى
تفسير الآلوسي — صفحة 202
مساهمون: الآلوسي
ص٢٠٢