تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
وأخرج ابن جرير وابن أبي شيبة عن عطية بن سعد قال : " جاء عبادة بن الصامت من بني الحارث بن الخزرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إن لي موالي من يهود كثير عددهم وإني أبرأ إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم من ولاية يهود وأتولى الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام ، فقال عبد الله بن أبيّ : إني رجل أخاف الدوائر لا أبرأ من ولاية موالي " فنزلت . * ( بَعْضُهُمْ أوْليَاءُ بَعْض ) * أي بعض اليهود أولياء لبعض منهم ، وبعض النصارى أولياء لبعض منهم ، وأوثر الإجمال لوضوح المراد بظهور أن اليهود لا يوالون النصارى كالعكس ، والجملة مستأنفة تعليلاً للنهي قبلها وتأكيداً لإيجاب اجتناب المنهي عنه أي بعضهم أولياء بعض متفقون على كلمة واحدة في كل ما يأتون وما يذرون ، ومن ضرورة ذلك إجماع الكل على مضادتكم ومضارتكم بحيث يسومونكم السوء ويبغونكم الغوائل ، فكيف يتصور بينكم وبينهم موالاة ، وزعم الحوفي أن الجملة في موضع الصفة لأولياء ، والظاهر هو الأول . وقوله تعالى : * ( وَمَن يَتَولَّهُمْ مِّنْكُمْ فَإنَّه منْهُمْ ) * أي من جملتهم ، وحكمه حكمهم كالمستنتج مما قبله ، وهو مخرج مخرج التشديد والمبالغة في الزجر لأنه لو كان المتولي منهم حقيقة لكان كافراً وليس بمقصود ، وقيل : المراد ومن يتولهم منكم فإنه كافر مثلهم حقيقة ، وحكي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، ولعل ذلك إذا كان توليهم من حيث كونهم يهوداً أو نصارى ، وقيل : لا بل لأن الآية نزلت في المنافقين ، والمراد أنهم بالموالاة يكونون كفاراً مجاهرين . وقوله سبحانه : * ( إنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدي الْقَوْمَ الظالمين ) * أنفسهم بموالاة الكفار أو المؤمنين بموالاة أعدائهم ، تعليل آخر على ما قيل : يتضمن عدم نفع موالاة الكفرة بل ترتب الضرر عليها ، وقيل : هو تعليل لكون من يتولاهم منهم أي لا يهديهم إلى الإيمان بل يخليهم وشأنهم فيقعون في الكفر والضلالة ، وإنما وضع المظهر موضع ضميرهم تنبيهاً على أن توليهم ظلم لما أنه تعريض للنفس للعذاب الخالد ووضع للشيء في غير موضعه . . * ( فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يسارعون فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِىَ بالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنفُسِهِمْ نادمين ) * . وقوله تعالى : * ( فَتَرَى الَّذينَ في قُلُوبهم مَّرَضٌ ) * أي نفاق - كعبد الله بن أبيّ وأضرابه - كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بيان لكيفية توليتهم وإشعار بسببه ؛ وبما يؤول إليه أمرهم ، والفاء للإيذان بترتبه على عدم الهداية وهي للسببية المحضة . وجوز الكرخي كونها للعطف على * ( إن الله ) * ( المائدة : 51 ) الخ من حيث المعنى ، والخطاب إما للرسول صلى الله عليه وسلم بطريق التلوين ، وإما لكل من له أهلية ، والإتيان بالموصول دون ضمير القوم ليشار بما في حيز الصلة إلى أن ما ارتكبوه من التولي بسبب ما ( كمن من المرض ) . والرؤية إما بصرية . وقوله تعالى : * ( يسارعون فيهم ) * حال من ( المفعول ) وهو الأنسب بظهور نفاقهم ، وإما قلبية والجملة في موضع المفعول الثاني ، والمراد على التقديرين مسارعين في موالاتهم إلا أنه قيل فيهم مبالغة في بيان رغبتهم فيها وتهالكهم عليها ، وإيثار كلمة * ( في ) * على كلمة - إلى - للدلالة على أنهم مستقرون في الموالاة ، وإنما مسارعتهم من بعض مراتبها إلى بعض آخر منها . وفسر الزمخشري المسارعة بالانكماش لكثرة استعماله بفي ، وعدل عنه بعض المحققين لكونه تفسيراً بالأخفى . واختير أن تعدّى المسارعة هنا بإلى لتضمنها معنى الدخول ، وقرئ - فيرى - بياء الغيبة على أن الضمير - كما قال أبو البقاء - لله تعالى ، وقيل : لمن يصح منه الرؤية ، وقيل : الفاعل هو الموصول ، والمفعول هو الجملة على حذف أن المصدرية ، والرؤية قلبية أي فيرى القوم الذين في قلوبهم مرض أن يسارعوا فيهم فلما حذفت