به نوحاً ) * ( الشورى : 13 ) الخ ، وقوله تعالى : * ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) * ( الأنعام : 90 ) بأن كل آية دلت على عدم الاختلاف محمولة على أصول الدين ونحوها ، والتحقيق في هذا المقام أنا متعبدون بأحكام الشرائع الباقية من حيث إنها أحكام شرعتنا لا من حيث إنها شرعة للأولين .
* ( وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحدَةً ) * أي جماعة متفقة على دين واحد في جميع الأعصار ، أو ذي ملة واحدة من غير اختلاف بينكم في وقت من الأوقات في شيء من الأحكام الدينية ولا نسخ ولا تحويل - قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما - ومفعول * ( شاء ) * محذوف تعويلاً على دلالة الجزاء عليه ، أي لو شاء الله تعالى أن يجعلكم أمة واحدة لجعلكم الخ ، وقيل : المعنى ولو شاء الله تعالى اجتماعكم على الإسلام لأجبركم عليه ، وروي عن الحسن نحو ذلك ، وقال الحسين بن علي المغربي : المعنى لو شاء الله تعالى لم يبعث إليكم نبياً فتكونون متعبدين بما في العقل وتكونون أمة واحدة * ( وَلَكن لِّيَبْلُوَكُمْ ) * متعلق بمحذوف يستدعيه النظام أي ولكن لم يشأ ذلك الجعل بل شاء غيره ليعاملكم سبحانه معاملة من يبتليكم . * ( في مَا آتاكم ) * من الشرائع المختلفة لحكم إلهية يقتضيها كل عصر هل تعملون بها مذعنين لها معتقدين أن في اختلافها ما يعود نفعه لكم في معاشكم ومعادكم ، أو تزيغون عنها . وتبتغون الهوى . وتشترون الضلالة بالهدى ، وبهذا - كما قال شيخ الإسلام - اتضح أن مدار عدم المشيئة المذكورة ليس مجرد الابتلاء ، بل العمدة في ذلك ما أشير إليه من انطواء الاختلاف على ما فيه مصلحتهم معاشاً ومعاداً كما ينبئ عنه قوله عز وجل : * ( فاسْتَبقُواْ الْخَيْرَات ) * أي إذا كان الأمر كما ذكر فسارعوا إلى ما هو خير لكم في الدارين من العقائد الحقة والأعمال الصالحة المندرجة في القرآن الكريم وابتدروها انتهازاً للفرصة وإحرازاً لفضل السبق والتقدم ، فالسابقون السابقون أولئك المقربون . وقوله تعالى : * ( إلَى الله مَرْجعُكُمْ جَميعاً ) * استئناف مسوق مساق التعليل لاستباق الخيرات بما فيه من الوعد والوعيد ، و * ( جميعاً ) * حال من الضمير المجرور ، والعامل فيه إما المصدر المضاف المنحل إلى فعل مبني للفاعل ، أو لما لم يسم فاعله ، وإما الاستقرار المقدر في الجار ، وقيل - وفيه بعد - إن الجملة واقعة جواب سؤال مقدر كأنه قيل : كيف ما في ذلك من الحكم ؟ فأجيب بأنكم سترجعون إلى الله تعالى وتحشرون إلى دار الجزاء التي تنكشف فيها الحقائق وتتضح الحكم * ( فَيُنَبِّئُكُمْ بمَا كُنتُمْ فيه تَخْتَلفُونَ ) * أي فيفعل بكم من الجزاء الفاصل بين الحق والباطل ما لا يبقى لكم معه شائبة شك فيما كنتم فيه تختلفون في الدنيا من أمر الدين ، فالإنباء هنا مجاز عن المجازاة لما فيها من تحقق الأمر . .
* ( وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ واحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ ما أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لفاسقون ) * .
* ( وَأَن احْكُم بَيْنَهُمْ بمَا أنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبعْ أَهْوَاءَهُمْ ) * عطف على * ( الكتاب ) * ( المائدة : 48 ) ، كأنه قيل : وأنزلنا إليك الكتاب وقولنا احكم أي الأمر بالحكم لا الحكم لأن المنزل الأمر بالحكم لا الحكم ، ولئلا يلزم إبطال الطلب بالكلية ، ولك أن تقدر الأمر بالحكم من أول الأمر من دون إضمار القول كما حققه في " الكشف " ، وجوز أن يكون عطفاً على * ( الحق ) * ( المائدة : 48 ) ، وفي المحل وجهان : الجر والنصب على الخلاف المشهور ، وقيل : يجوز أن يكون الكلام جملة اسمية بتقدير مبتدأ أي وأمرنا أن احكم ، وزعم بعضهم أن * ( أن ) * هذه تفسيرية ، ووجه أبو البقاء بأن يكون التقدير وأمرناك ، ثم فسر هذا الأمر بأحكم ، ومنع أبو حيان من تصحيحه بذلك بأنه لم يحفظ من لسانهم حذف المفسر بأن والأمر كما ذكر ، وقال الطيبي : ولو جعل هذا الكلام عطفاً على * ( فاحكم ) * ( المائدة : 42 )
تفسير الآلوسي — صفحة 154
مساهمون: الآلوسي
ص١٥٤