تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
وارد في كلامهم - كنعم وناعم - وقراءة عبد الله وإسحق - يروون - تدل على ذلك ، أو للمقابلة لأنهم لفعلهم في مشاهد الناس يرون الناس والناس يرونهم وهم يقصدون أن ترى أعمالهم والناس يستحسنونها ، فالمفاعلة في الرؤية متحدة وإنما الاختلاف في متعلق الإراءة ، فلا يرد على هذا الشق أن المفاعلة لا بد في حقيقتها من اتحاذ الفعل ومتعلقه ، والجملة إما استئناف مبني على سؤال نشأ من الكلام كأنه قيل : فماذا يريدون بقيامهم هذا ؟ فقيل : يراءون الخ ، أو حال من ضمير * ( قاموا ) * أو من الضمير في * ( كسالى ) * . * ( وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلاَّ قَليلاً ) * عطف على * ( يراءون ) * ، وقيل : حال من فاعله أي ولا يذكرونه سبحانه مطلقاً إلا زماناً قليلاً ، أو إلا ذكراً قليلاً إذ المرائي لا يفعل إلا بحضرة من يرائيه وهو أقل أحواله ، أو لأن ذكرهم باللسان قليل بالنسبة إلى الذكر بالقلب ، وقيل : إنما وصف بالقلة لأنه لم يقبل وكل ما لم يقبله الله تعالى قليل وإن كان كثيراً ، وروي ذلك عن قتادة ، وأخرج البيهقي وغيره عن الحسن ما بمعناه . وأخرج ابن المنذر عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال : - لا يقل عمل مع تقوى وكيف يقل ما يتقبل - وقيل : المراد بالذكر الذكر الواقع في الصلاة نحو التكبير والتسبيح ، وإليه ذهب الجبائي ، وأيد بما أخرجه مسلم وأبو داود عن أنس قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر الله تعالى فيها إلا قليلاً " ، وقيل : الذكر بمعنى الصلاة لأن الكلام فيها لا بمعناه المتبادر منه ، وجوز أن يراد بالقلة العدم ، واستشكل توجيه الاستثناء حينئذٍ . وأجيب بأن المعنى : لا يذكرون الله تعالى إلا ذكراً ملحقاً بالعدم لأنه لا ينفعهم فلا إشكال ، ولا يخفى ما فيه فإن القلة بمعنى العدم مجاز ، وجعل العدم بمعنى ما لا نفع فيه مجاز آخر ، ومع ذلك ليس في الكلام ما يدل عليه ، وقال بعض المحققين : في توجيه الكلام على ذلك التقدير أن المعنى حينئذٍ لو صح أن يعد عدم الذكر ذكراً فذلك ذكرهم على طريقة قوله : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب وفيه - وإن كان أهون من الأول - ما فيه ، واستدل بالآية على استحباب دخول الصلاة بنشاط ، وعلى كراهة قول الإنسان كسلت ، أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه يكره أن يقول الرجل إني كسلان ويتأول هذه الآية . . * ( مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذالِكَ لاَ إِلَى هَاؤُلاءِ وَلاَ إِلَى هَاؤُلاءِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ) * . * ( مُّذَبْذَبينَ بَيْنَ ذَلكَ ) * حال من فاعل * ( يراءون ) * ( النساء : 142 ) أو من فاعل * ( يذكرون ) * ( النساء : 142 ) وجوز أن يكون حالاً من فاعل * ( قاموا ) * ( النساء : 142 ) أو منصوب على الذم بفعل مقدر ، وذلك إشارة إلى الإيمان والكفر المدلول عليه بذكر المؤمنين والكافرين ، ولذا أضيف * ( بين ) * إليه ، وروي هذا عن ابن زيد ويصح أن يكون إشارة إلى المؤمنين والكافرين فيكون ما بعده تفسيراً له على حد قوله : الألمعيَّ الذي يظن بك الظن * كأن قد رأى وقد سمعا والمعنى مرددين بينهما متحيرين قد ذبذبهم الشيطان ، وأصل الذبذبة كما قال الراغب : صوت الحركة للشيء المعلق ، ثم استعير لكل اضطراب وحركة ، أو تردد بين شيئين ، والذال الثانية أصلية عند البصريين ، ومبدلة من باء عند الكوفيين ، وهو خلاف معروف بينهم ، وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما * ( مذبذبين ) * بكسر الذال الثانية ومفعوله على هذا محذوف أي - مذبذبين قلوبهم أو دينهم أو رأيهم - ويحتمل أن يجعل لازماً