تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
على أن فعلل بمعنى تفعلل كما جاء صلصل بمعنى تصلصل أي متذبذبين ، ويؤيده ما في مصحف ابن مسعود ( متذبذبين ) . وقرئ بالدال غير المعجمة وهو مأخوذ من - الدبة - بضم الدال وتشديد الباء بمعنى الطريقة والمذهب كما في " النهاية " ، ويقال : هو على دبتي أي طريقتي وسمتي ، وفي حديث ابن عباس " اتبعوا دبة قريش ولا تفارقوا الجماعة " والمعنى حينئذ أنهم أخذ بهم تارة طريقاً وأخرى أخرى . * ( لا إلَى هَاؤلاَء وَلاَ إلَى هَاؤُلاَء ) * أي لا منسوبين إلى المؤمنين حقيقة لإضمارهم الكفر ، ولا إلى الكافرين لإظهارهم الإيمان ، أو لا صائرين إلى الأولين ولا إلى الآخرين ، ومحله النصب على أنه حال من ضمير * ( مذبذبين ) * أو على أنه بدل منه ، ويحتمل أن يكون بياناً وتفسيراً له * ( وَمَن يُضْلل اللَّهُ ) * لعدم استعداده للهداية والتوفيق * ( فَلَن تَجدَ لَهُ سَبيلاً ) * موصلاً إلى الحق والصواب فضلاً عن أن تهديه إليه ، والخطاب لكل من يصلح له وهو أبلغ في التفظيع . . * ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً ) * . * ( يَا أَيُّهَا الَّذينَ ءَامنوا لاَ تَتَّخذُواْ الْكَافرينَ أوْليَاءَ من دُون الْمُؤْمنينَ ) * نهى المؤمنين الصادقين عن موالاة الكفار اليهود فقط - كما قيل - أو ما يعمهم وغيرهم كما هو الظاهر بعد بيان حال المنافقين ، أي لا تتخذوهم أولياء فإن ذلك ديدن المنافقين ودينهم فلا تتشبهوا بهم ، وقيل : المراد بالذين آمنوا المنافقون وبالمؤمنين المخلصون ، فالآية نهي للمنافقين عن موالاة الكافرين دون الملخصين ؛ وقيل : المراد بالموصول المخلصون ، وبالكافرين المنافقون فكأنه قيل : قد بينت لكم أخلاق هؤلاء المنافقين فلا تتخذوا منهم أولياء ، وإلى ذلك ذهب القفال ، وفي كلا القولين بعد . * ( أَتُريدُونَ أن تَجْعَلُواْ لله عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبيناً ) * أي حجة ظاهرة في العذاب ، وفيه دلالة على أن الله تعالى لا يعذب أحداً بمقتضى حكمته إلا بعد قيام الحجة عليه ، ويشعر بذلك كثير من الآيات ، وقيل : أتريدون بذلك أن تجعلوا له تعالى حجة بينة على أنكم موافقون فإن موالاة الكافرين أوضح أدلة النفاق . ومن الناس من أبقى السلطان على معناه المعروف ، لكن أخرج ابن المنذر وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : كل سلطان في القرآن فهو حجة ، وهو مما يجوز فيه التذكير والتأنيث إجماعاً ، فتذكيره باعتبار البرهان أو باعتبار معناه المعروف ، والتأنيث باعتبار الحجة والتأنيث أكثر عند الفصحاء على ما قاله الفراء إلا أنه لم يعتبر هنا ، واعتبر التذكير لتحسن الفاصلة ، وادعى ابن عطية أن التذكير أشهر وهي لغة القرآن حيث وقع ، و * ( عليكم ) * يجوز تعلقه بالجعل وبمحذوف وقع حالاً من * ( سلطاناً ) * ، وتوجيه الإنكار إلى الإرادة دون متعلقها بأن يقال : أتجعلون الخ للمبالغة في إنكاره وتهويل أمره ببيان أنه مما لا يصدر عن العاقل إرادته فضلاً عن صدور نفسه . . * ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الاَْسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً ) * . * ( إنَّ الْمُنَافقينَ في الدَّرْك الأَسْفَل منَ النَّار ) * أي في الطبقة السفلى منها وهو قعرها ، ولها طبقات سبع تسمى الأولى كما قيل : جهنم ، والثانية : لظى ، والثالثة : الحطمة ، والرابعة : السعير ، والخامسة : سقر ، والسادسة : الجحيم ، والسابعة : الهاوية ، وقد تسمى النار جميعاً باسم الطبقة الأولى ، وبعض الطبقات باسم بعض لأن لفظ النار يجمعها ؛ وتسمية تلك الطبقات دركات لكونها متداركة متتابعة بعضها تحت بعض ، والدرك كالدرج إلا أنه يقال باعتبار الهبوط ، والدرج باعتبار الصعود ، وفي كون المنافق في الدرك الأسفل إشارة إلى شدّة عذابه . وقد أخرج ابن أبي الدنيا عن الأحوص عن ابن مسعود - أن المنافق يجعل في تابوت من حديد يصمد عليه ثم يجعل في الدرك الأسفل - وإنما كان أشد عذاباً من غيره من الكفار لكونه ضم إلى الكفر المشترك استهزاءاً بالإسلام