لأنهما في حكم شيء واحد . وقوله تعالى : * ( إنَّكُمْ إذاً مِّثْلُهُمْ ) * تعليل للنهي غير داخل تحت التنزيل و * ( إذاً ) * ملغاة لأن شرط عملها النصب في الفعل أن تكون في صدر الكلام فلذا لم يجئ بعدها فعل ، و - مثل - خبر عن ضمير الجمع وصح مع إفراده لأنه في الأصل مصدر ، فيستوي فيه الواحد المذكر وغيره ، وقيل : لأنه كالمصدر في الوقوع على القليل والكثير ؛ أو لأنه مضاف لجمع فيعم ، وقد يطابق ما قبله كقوله تعالى : * ( ثم لا يكونوا أمثالكم ) * ( محمد : 38 ) ، والجمهور على رفعه ، وقرئ شاذاً بالنصب ، فقيل : إنه منصوب على الظرفية لأن معنى قولك : زيد مثل عمرو في أنه حال مثله ، وقيل : إنه إذا أضيف إلى مبنى اكتسب البناء ولا يختص ذلك بما المصدرية كما توهم بل يكون فيها مثل * ( مثل ما أنكم تنطقون ) * ( الذاريات : 23 ) ، وفي غيرها كقوله : فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم * إذ هم قريش وإذ ( ما ) مثلهم بشر
وابن مالك يشترط لاكتساب البناء أن لا يقبل المضاف التثنية والجمع - كدون وغير وبين - ولم يصحح ذلك في - مثل - وأعربه حالاً من الضمير المستتر في - حق - في قوله تعالى : * ( إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ) * ( الذاريات : 23 ) .
وقوله تعالى : * ( إنَّ اللَّهَ جَامع الْمُنَافقينَ والْكَافرينَ في جَهَنَّمَ جَميعاً ) * تعليل لكونهم مثلهم في الكفر ببيان ما يستلزمه من شركتهم لهم في العذاب ، والمراد من المنافقين إما المخاطبون ، وأقيم المظهر مقام المضمر تسجيلاً لنفاقهم وتعليلاً للحكم بمأخذ الإشتقاق ، وإما للجنس وهم داخلون دخولاً أوّلياً وتقديمهم لتشديد الوعيد على المخاطبين وانتصابه على الحال طرز ما مر ، واستشكل كون الخطاب للمنافقين بأنهم مثل الكافرين في الكفر من غير سببية القعود معهم فلا وجه لترتب الجزاء على الشرط ، والعدول عن كون المماثلة في الكفر إلى المماثلة في المجاهرة به لا يحسن معه كون جملة * ( إن الله ) * الخ تعليلاً لكونهم مثلهم بتلك المماثلة بالطريق الذي ذكر ، وأيضاً الذين نهوا عن مجالسة الكافرين والمستهزئين بمكة هم المؤمنون المخلصون لا المنافقون لأن نجم النفاق إنما ظهر بالمدينة ، فكيف يذكر المنافقون فيها بنهي نزل في مكة قبل أن يكونوا ؟ . وأجيب عن هذا بأنه إن سلم أن المنزل على النبي كان خوطب به خاصة منزل على الأمة مخلصهم ومنافقهم إلى قيام الساعة ، صح دخول المنافقين وإن لم يكونوا وقت النزول وإن لم يسلم ذلك فإن ادّعى الاقتصار على النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل المؤمنون المخلصون أيضاً . وإن ادّعى دخولهم فقط دون المنافقين الذين هم مؤمنون ظاهراً فلا دليل عليه ، كيف وجميع الأحكام متعلقة بالمؤمنين كيف كانوا ولسنا مكلفين بأن نشق على قلوب العباد ، بل لنا الظاهر والله تعالى يتولى السرائر ، على أنه قد قام الدليل على أن الأحكام الشرعية التي كانت صدر الإسلام ولم تنسخ مخاطب بها من نطق بالكلمة الطيبة وبلغته قبل يوم الساعة ، فقد قال الله تعالى : * ( لأنذركم به ومن بلغ ) * ( الأنعام : 19 ) ولهذه الدغدغة قال بعض المحققين : إن المقصود من الخطاب هنا المؤمنون الصادقون ، والمراد بمن يكفر ويستهزىء أعم من المنافقين والكافرين ، وضمير * ( معهم ) * للمفهوم من الفعلين ، ويؤيد ذلك ما نقل عن الواحدي أنه قال : كان المنافقون يجلسون إلى أحبار اليهود فيسخرون من القرآن فنهى الله تعالى المسلمين عن مجالستهم ، والمراد من المماثلة في الجزاء المماثلة في الإثم لأنهم قادرون على الإعراض والإنكار لا عاجزون كما في مكة ، أو في الكفر على معنى إن رضيتم بذلك وهو مبني على أن الرضا بكفر الغير كفر من غير تفصيل ، وهي رواية عن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه عثر عليها صاحب " الذخيرة " .
تفسير الآلوسي — صفحة 173
مساهمون: الآلوسي
ص١٧٣