تقدّم - إنما هو أقبح المناقضة وأفحشها على حدّ تعبير المرتضى نفسه في الموصليات الثالثة « 1 » ، وهو اتهام سئ لكبراء الطائفة بأن عملهم مناقض لقولهم على حدّ تعبيره في المسائل التبانيات « 2 » .
وكأن المرتضى في هذا اللحن من الإجابة يريد الرجوع إلى الوضوح الذي يلفّ الموقف الشيعي ليجعله معينا له في دفع هذه الإشكاليّة .
ب - محاولة التمييز بين نوعين من العلماء ، من عليه المعوّل ممّن يدري ما يأتي وما يذر كما تفيده عبارة المرتضى ، وهؤلاء لا يعملون بالخبر الواحد ، وبين أصحاب الحديث الذين « رووا ما سمعوا . . وليس عليهم أن يكون حجّة في الأحكام الشرعية أو لا يكون » « 3 » .
وعبر هذه الطريقة أراد المرتضى إفراغ الجهد التجميعي للتراث الحديثي من أي إشارة دالّة ، لأن أهل الحديث عنده لا يهدفون سوى تجميع النصوص المأثورة ، غير مبالين بالصحيح منها أو بما إذا كان يعتمد على هذا ولا يعتمد على ذاك أو لا ، وكلامه في جوابات المسائل التبانيات واضح صريح حين يقول : « . . . دلّونا على موضع اعتمد فيه أصحابنا المتكلّمون على أخبار الآحاد ، ودعنا من مصنّفات أصحاب الحديث من أصحابنا ، فما في أولئك محتجّ ، ولا من يعرف الحجّة ، ولا كتبهم موضوعة للاحتجاجات » « 4 » .
وهذا الكلام من المرتضى يحكي لنا بوضوح - كما تقدّم في الفصل السابق - عن تيّارين في الحياة الشيعية : تيار الحديث ، وتيار الكلام ، الذي عبّرت عنه بعض الكلمات المنتمية إلى خارج المحيط الشيعي كالصفدي وابن الجوزي والذهبي و . . . بالاعتزال ، أو الميل الاعتزالي داخل الشيعة ، كما كانت تعبّر بالميل الشيعي لدى بعض المعتزلة ، وفق ما تفيده عبارة الشهرستاني ( 548 ه ) في الملل والنحل عن النظّام أحد أعلام المعتزلة ووجوهها « 5 » .
وسوف نأتي أكثر على هذا الانقسام الشيعي في أواخر هذا الفصل إن شاء اللّه تعالى .
ج - يرى المرتضى أن احتجاج علماء الإماميّة على مخالفيهم كان بالكتاب والسنّة المقطوع بها ، كما كان بما رووه - أي أهل السنّة - من أخبارهم على سبيل المناقضة والاستظهار عليهم ، دون الاحتجاج بخبر واحد ترويه الشيعة « 6 » .
هامش
( 1 ) - رسائل الشريف المرتضى 1 : 211 .
( 2 ) - المصدر نفسه : 22 - 24 .
( 3 ) - المصدر نفسه : 211 .
( 4 ) - المصدر نفسه 1 : 26 - 27 .
( 5 ) - أبو بكر الشهرستاني ، الملل والنحل 1 : 59 .
( 6 ) - رسائل الشريف المرتضى 1 : 27 .