ورغم نسبته ورود العبادة إلى الفقهاء وأكثر المتكلّمين « 1 » مما ظاهره أهل السنّة ، إلا أن ما يشبه هذا النصّ في قوّته نصّه الآخر في « جوابات المسائل الموصليات الثالثة » حيث يقول : « . . . إن أصحابنا كلّهم سلفهم وخلفهم ومتقدّمهم ومتأخرهم يمنعون من العمل بأخبار الآحاد ومن القياس في الشريعة ، ويعيبون أشدّ عيب الذاهب إليهما ، والمتعلّق في الشريعة بهما ، حتّى صار هذا المذهب - لظهوره وانتشاره - معلوما ضرورة منهم ، وغير مشكوك فيه من المذاهب » « 2 » .
وفي الجوابات نفسها يقول : « علم كلّ موافق ومخالف ، الشيعة الإمامية تبطل القياس في الشريعة من حيث لا يؤدّي إلى علم ، فكذلك نقول في أخبار الآحاد . . . » « 3 » .
وفي رسالة « إبطال العمل بأخبار الآحاد » ، لا يتردّد السيد المرتضى في القول بأنّ :
« العلم الضروري حاصل لكلّ مخالف الإماميّة أو موافق بأنّهم لا يعملون في الشريعة بخبر لا يوجب العلم ، وأنّ ذلك صار شعارا لهم يعرفون به ، كما أنّ نفي القياس في الشريعة من شعارهم الذي يعلمه منهم كلّ مخالط لهم » « 4 » .
ومثل هذه النصوص غيرها ما يؤكّد - بصراحة أو بظهور - النسبة إلى رأي الإماميّة « 5 » ، بما يجعل الوضوح في الأمر - بحسب عبائره - على حدّ الوضوح في الموقف الشيعي من مسألة القياس .
المرتضى وتفسير ظاهرة الأحاديث في الوسط الشيعي
وتبدو ظاهرة النصوص الروائية الكثيرة الموجودة في الوسط الشيعي واحدة من العقبات التي تواجه الشريف المرتضى ، فلو كان الشيعة لا يقولون بحجية الخبر الواحد ، فما معنى كلّ هذا الكمّ الهائل من الروايات الموجودة بينهم ، مما يعتمدون عليه في مباحثهم الفقهية وغيرها ؟ !
يحاول المرتضى الخلاص من هذه الإشكالية بصيغ متعدّدة أبرزها :
أ - الركون إلى الوضوح الذي ادّعاه في ترك الشيعة العمل بالخبر الواحد ، بل وذهاب بعضهم إلى استحالة التعبّد به ، ليقول : إنّ نسبة العمل بالخبر للشيعة - مع ما
هامش
( 1 ) - المرتضى ، الذريعة 2 : 53 .
( 2 ) - رسائل الشريف المرتضى 1 : 203 .
( 3 ) - المصدر نفسه : 211 .
( 4 ) - المصدر نفسه 3 : 309 .
( 5 ) - انظر : رسائل الشريف المرتضى 1 : 7 و 26 - 27 و 206 و 211 و 316 - 317 ، و 2 : 60 في رسالة في الردّ على أصحاب العدد ؛ وانظر تلخيص الشافي مج 2 ، ج 3 : 138 .