يخبرنا - عادة وأولا - بالصدور لا بجهة الصدور ؛ وهذا ما نجده أيضا عند محمد رضا المظفر حيث يرى أن قاعدة الوهن إنما تسقط حجية الخبر لأنها تفقدنا الوثوق بصدوره « 1 » .
العنصر الثاني : لكن على خط مختلف ، لو فرضنا أن الأصحاب لم يعرضوا عن الرواية ، بل عملوا بها ، لكنهم هجروا دلالتها أو جزءا من دلالتها ، فالرواية ظاهرة في معنى معين ، ألا وهو الوجوب مثلا ، وهم لم يعرضوا عنها حتى نفسّرها بالاستحباب كما مرّ ذلك قريبا ، بل عملوا بها واستدلّوا على وفقها ، غاية الأمر أنهم لم يفهموا منها الوجوب ، بل اشتهر بينهم تفسيرها بالاستحباب ، فهل يكون إعراضهم عن دلالة الوجوب مع عملهم بأصل الرواية موجبا لوهن الدلالة أم لا ؟
يبدو أن جماعة من العلماء تبنّوا هذا الرأي ، فقد نصّ النجفي على ضرورة تفسير حديث ظاهرة الوجوب بالاستحباب ؛ نظرا لإعراض المشهور عن ظاهره « 2 » ، وعلى المنوال نفسه سار مصطفى الخميني حينما رفض الدلالة الإطلاقية في « حديث الرفع » المشهور لحالة ما قبل الفحص ، انطلاقا من أن الأصحاب أعرضوا عن هذا الحديث في حالة قبل الفحص وإن أخذوا به في حالة ما بعد الفحص « 3 » ، مما يعني أنهم لم يعرضوا عن الصدور أو جهته . . بل أعرضوا عن جزء من الدلالة ، ألا وهو الإطلاق لحالة ما قبل الفحص .
والكلام نفسه نجده مع السيد محسن الحكيم حينما يقرّر قاعدة يرى فيها أن إعراض الأصحاب عن ذيل رواية ( مقطعها الأخير ) لا يوجب سقوطها ، بل سقوط خصوص الذيل أو تعديل دلالته « 4 » ، انطلاقا من عملية تبعيض وانتقاء ، يوافقه عليها أيضا بحر العلوم في « بلغة الفقيه » « 5 » ، وهو ما نجده - في أصل تحوير الدلالة - عند النائيني أيضا في نص صريح « 6 » ، وعند البروجردي « 7 » ، والهمداني « 8 » ، والبجنوردي « 9 » ، والخوانساري « 10 » .
هامش
( 1 ) - محمد رضا المظفر ، أصول الفقه 2 : 221 .
( 2 ) - النجفي ، جواهر الكلام 12 : 364 ، وانظر 5 : 35 ، و 18 : 421 .
( 3 ) - مصطفى الخميني ، تحريرات في الأصول 8 : 227 .
( 4 ) - الحكيم ، مستمسك العروة الوثقى 2 : 64 .
( 5 ) - بحر العلوم ، بلغة الفقيه 4 : 319 .
( 6 ) - النائيني ، أجود التقريرات 3 : 280 .
( 7 ) - البروجردي ، نهاية التقرير 1 : 315 .
( 8 ) - الهمداني ، مصباح الفقيه 1 : 211 ، 293 ، و 2 : 9 .
( 9 ) - البجنوردي ، القواعد الفقهية 5 : 180 .
( 10 ) - الخوانساري ، جامع المدارك 1 : 187 .