الأولى : الصدور ، ويقصد بها صدور النص من صاحبه ، فاليقين بالصدور معناه التأكّد من أن صاحب النص قد قاله ، والشك في الصدور يعني الشك في أن صاحب النص هل تلفظ بكلمات هذا النص أم لا ؟
ويتكفل السند في الأحاديث مسألة الصدور ، ذلك أنه يثبتها لنا .
الثانية : جهة الصدور ، أي الوجه الذي صدر النص فيه ، فقد يصدر النص من متكلّمه على جهة المزاح أو الهزل ، وقد يصدر على جهة التقية ، وبهذا يكون غير مراد حقيقة وإن صدر عن متكلّمه واقعا .
الثالثة : الدلالة والظهور ، أي ما يدلّ عليه الكلام بعد صدوره « 1 » .
وعليه ، لاحظنا في كلمات علماء الإمامية المتأخرين أن فريقا منهم يعتبر الإعراض موهنا للصدور ، أي أنه مضعف لقوّة السند ، فيحدث خللا في سند الحديث بحيث يفقدنا ما يثبت صدور النص .
إلا أن فريقا آخر يلوح من كلامه أن الخلل لا يكون في الصدور والسند بعد إعراض المشهور ، بل يتركّز في جهة الصدور ، فليس من الضروري أن نشكك في سند الحديث ، بل يمكننا أن نلتئم مع إعراض المشهور بالتشكيك في جهة صدور الحديث ، فنحمله على التقية أو غير ذلك من المحامل المعقولة .
وأوسع فريق ثالث الأمر ليعتبر أن الخلل الذي يطرأ ربما يتجه ناحية السند ، وقد يتجه ناحية جهة الصدور ، وربما اتجه ناحية الدلالة ، وقد يتجه بأن يكشف عن وجود رواية مثلا تعارض هذا الخبر فتضعف من إمكانية الاعتماد عليه ، فالمسألة مفتوحة على احتمالات عدّة « 2 » .
من هنا ، نجد الفريق غير الأوّل يهرب من معضل الإعراض إلى افتراض تعديل في دلالة الحديث ، فالنجفي صاحب جواهر الكلام يرى أن الإعراض يسقط الخبر ، معللا ذلك بأن الأصحاب « أعرف بمعنى الخطاب الوارد في السنّة والكتاب » « 3 » ، وهذا معناه أنه يركّز على جانب الدلالة أكثر من السند .
وهذا ما نجده أيضا مع السيد أحمد الخوانساري ، إذ يعتبر أن إعراض الأصحاب قد يفضي - أحيانا - لترجيح احتمال الصدور تقية « 4 » ، أي أنه يحدث خللا في جهة صدور
هامش
( 1 ) - لمزيد من الاطلاع على هذه الجهات الثلاث راجع - على سبيل المثال - : الحائري ، درر الفوائد 2 :
379 - 380 ؛ ومحمد تقي الفقيه ، قواعد الفقيه : 43 - 45 .
( 2 ) - الهمداني ، مصباح الفقيه 1 : 561 .
( 3 ) - النجفي ، جواهر الكلام 6 : 218 .
( 4 ) - الخوانساري ، جامع المدارك 1 : 401 .