لعلّ راوياً ضعيفاً في الواقع قام النجاشي بتوثيقه تأثراً بأهل السنّة أو انسجاماً مع روايته مطالب يراها النجاشي صحيحةً ، فيما يراها أنصار التحفّظ هنا خرقاً واضحاً لمفهوم الإمامة الحقيقي وعدواناً عليه ، ومن ثمّ لا يصحّ أن نتحدّث عن التشكيك في تضعيفات النجاشي دون توثيقاته ولو في الجملة .
بل في تقديري ، الأمر يمكن أن يذهب بنا أبعد من ذلك ، وهو أن نشكّك في الكثير من المعلومات التي تفرّد بها النجاشي ، ولو لم تكن توثيقاً أو تضعيفاً ، فإذا كان النجاشي يعتمد أهل السنّة في معلوماته ، فمن الممكن أن تكون بعض معلوماته - في غير التوثيق والتضعيف - مأخوذةً منهم ، ومن ثمّ لا يمكن العمل وفقها ؛ انطلاقاً من الذهنية التي يأخذ بها بعض أنصار الاتجاه المتحفّظ هنا .
ونشرع بذكر بعض التعليقات :
التعليق الأوّل : لقد افترض الناقدون هنا أنّ النجاشيَّ اعتمد على ابن الغضائري في التضعيفات ، وهو أمرٌ حتى لو ادّعاه بعض المتأخّرين لا يكفي لإثبات هذه الدعوى ، فنحن رأينا أنّ النجاشي يوافق ابن الغضائري في جملة من الموارد ، لكنّ هذه الموافقة لا يمكنها أن تُثبت الاعتماد ، خاصّة وأنّه في أكثرها لم يُشر إليه أصلًا ، فلعلّهما اعتمدا معاً على مصدرٍ ثالث .
ونقصد بالاعتماد الذي نشكّك فيه ليس كون النجاشي يثق ويعتبر ابن الغضائري من مصادره ، بل كون النجاشي يبني اجتهاداته عموماً على ابن الغضائري ، كيف وقد اختلف معه في بعض الموارد ، فوثّق من ضعفه وبالعكس ، كما في جابر الجعفي وإبراهيم بن عمر الصنعاني وسليمان بن داود المنقري . وإلا لو كان هذا مؤثراً بهذه الدرجة المطلوبة هنا لكان الشيخ الطوسي غير معتمَد على تقويماته ؛ لاعتماده في غير موضع على الصدوق وابن الوليد ، ولا نعلم أنّهما أقلّ ( خطراً ! ) من النجاشي .
بل لو غضضنا الطرف ، فنحن لم نتحقّق من كون مسلك ابن الغضائري مسلكاً مرفوضاً ، وقد سبق أن بيّنا هذا الأمر .
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل) — صفحة 453
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٥٣