وتعايش معها .
ومن هنا ، تعدّ البترية من أقرب مذاهب الزيدية إلى أهل السنّة ، ولهذا مُدح بعض أئمّتهم عند أهل السنّة وأخذوا من كتبهم ، وهي قريبة أيضاً إلى التوجّه العامّ الذي اتخذه معتزلة بغداد بعد ذلك ، مثل ابن أبي الحديد وغيره ، ممّن كانوا يقولون : « الحمد لله الذي قدّم المفضول على الفاضل أو الأفضل » .
إلا أنّهم مع هذا كلّه لديهم رفض تامّ لخلافة عثمان بسبب ما حصل فيها ، دون أن يجزموا بكفره ، كما قالوا بإمامة كلّ فاطمي من أولاد الحسن أو الحسين يخرج بالسيف .
وأمّا وجه تسميتهم بالصالحيّة ، فهو النسبة إلى الحسن بن صالح المتقدّم ذكره ، وأمّا وجه تسميتهم بالبترية ، فقد وقع خلاف في ذلك بين مؤرّخي الفرق وعلماء الرجال والتاريخ ، وذلك على أقوال أهمّها :
1 - إنّه حيث تبرّوا من عثمان بن عفان سمّوا بالبترية ، وكأنّهم قطعوا علاقتهم به وبتروها ، على خلاف علاقتهم بكلّ من أبي بكر وعمر وعليّ .
2 - إنّهم تركوا الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ، فاطلق عليهم اسم البتريّة ، وكأنّهم قطعوا هذا الجهر وقاطعوه ، وهذا قول أحمد بن يحيى بن مرتضى من أئمّة الزيدية .
3 - ما ذكره الكشي في رجاله من أنّ سبب تسميتهم هو حضورهم عند الإمام الباقر عليه السلام ، وإعلانهم تولّي أبي بكر وعمر والبراءة من أعدائهما ، وكان الإمام زيد بن علي حاضراً في المجلس فقال لهم : فما هو موقفكم من فاطمة ؟ أفهل تتبرؤون منها ؟ ! « بترتم أمرنا ، بتركم الله » ، فسمّوا بالبتريّة .
4 - إنّ كثير النوى كان اسمه بتر النوى فسمّوا بالبتريّة نسبةً إليه .
5 - إنّ كثير النوى كان مقطوع اليد وأبترها ، فسمّوا بالبترية نسبةً إليه أيضاً .
وهذا يعني أنّ البترية فرقة شيعيّة بالمعنى العام لا بالمعنى الخاصّ ، ولا أقلّ من أنّ ذلك كان هو واقع الحال في القرنين الأوّلين اللذين يقع فيهما الرواة الذين ترجمهم النجاشي كغياث بن إبراهيم وغيره ، وصيرورتهم بعد ذلك من السنّة لا يعنينا هنا ، ولا يوجد ما يؤكدّ أنّ هؤلاء الرواة كانوا في تلك الفترة في الوسط السنّي ، بل سنرى أنّ السنّة ذمّوا
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل) — صفحة 456
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٥٦