القرآني فإن فرص التحوّل فيه أقلّ بكثير ، ذلك أنّ وعي الجماعات المذهبية لم يكن متبلوراً بصورته المعروفة عصر نزول القرآن ، مما يجعل المدلول اللغوي العام هو المرجع في هذا المجال من حيث المبدأ .
ثالثاً : إن القواعد المقرّرة في القرآن الكريم ، وفقاً لكثير من الآراء ، تقلّ فيها فرص التاريخانية التي تنال النصوص الحديثية ، التي يعتقد بعضهم أنّها نصوص تدبيرية مرحلية تاريخية جاءت لحلّ أو مواجهة ظروف زمكانية خاصّة ، فيما يتعالى النص القرآني عن هذا التأطّر الزمكاني ، انطلاقاً من خلوده ، أو من عناصر أخرى فيه أيضاً .
ومعنى ذلك ، أن الدلالة المكتنزة في النص القرآني لا تبدو قابلة للهدر نتيجة الطوق التاريخي المضروب عليها ، على الخلاف من الدلالة في الحديث الشريف ، وهذا ما يعطي النص القرآني قدرة التعميم دون النص الحديثي أحياناً .
ولست أقصد الانتصار - فعلًا - لهذه الرؤى ، بقدر ما أريد ترجيح كفّة النص القرآني ، لتأكيد معياريته في الفكر الديني ، تلك المعيارية التي تقتضي وزن كل شيء بميزان القرآن الكريم .
ولعلّ الرجوع إلى النص القرآني يقرّر لدينا مبادئ عليا هنا ، نستعرضها سريعاً ، لأنّ مجال دراستنا ليس مجال الاجتهاد في النص فعلًا .
المبدأ الأوّل : مبدأ الأخوّة الإسلامية والإيمانية ، وهو ما يلاحظ التركيز عليه في نصوص قرآنية عديدة .
أ - قال تعالى :
( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ )
( الحجرات : 10 ) ، والمقصود بالمؤمنين ، الذين آمنوا بالنبي رضي الله عنهم وصدّقوه ، كما تدلّ عليه الآيات القرآنية الأخرى ، وهذه الآية تقرر مبدأ الصلح في دائرة الأخوة الإسلامية ، وترفض أشكال الفرقة والتنافر .
ب - وقال تعالى :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ