وهو نحوٌ بليغ من الإشارة إلى أنّ الفرقة الواعظة تريد أن تذكّر الساكتة بأنّ المعذرة ليست مسؤوليتنا فقط ، بل من نعذر له هو ربّنا وربكم معاً ؛ فهي مسؤوليتكم أيضاً . وفي رواية أبي عبيدة عن أبي جعفر عليه السلام المرسلة في تفسير العياشي « 1 » ، يُفهم أنّ الفرقة الواعظة هي التي خرجت من المدينة قبيل نزول العذاب ؛ فتؤيّد نزوله على الفرقتين الأخريين ، والرواية صريحة في وجود ثلاث فرق . وقد ذكرها ، أي رواية العياشي ، عليُّ بن إبراهيم القمي « 2 » بسند تام - على المشهور - أيضاً ، وفي خبر طلحة بن زيد « 3 » التام سنداً على المعروف تصريحٌ واضح باختصاص النجاة بالناهين عن المنكر ، وأنّ الساكتين صاروا ذراً ؛ والخبر مرويّ عن الإمام الصادق عليه السلام ؛ وهذا كلّه يدعم ما فهمناه من الآيات الكريمة ، ويؤكّد أن ترك النهي عن المنكر أوجب نزول العذاب عليهم ؛ فصار حالهم وحال فاعلي المنكر سواء تقريباً .
ويترتب على فهمنا هذا لقصّة أصحاب السبت جملة أمور :
أولًا : إذا بني في الفقه على أن محدّدات الكبائر : كل معصية دلّ القرآن على نزول العذاب بسببها في الدنيا أو في الآخرة ، كانت هذه الآيات دالّة على أنّ ترك النهي عن المنكر من الكبائر ؛ ويُفهم منه أن الأمر والنهي من أعظم الواجبات الإسلامية ، وهذا ما تساعد عليه الآيات الأخرى التي جعلته في مصافّ كبريات الفرائض كما قلنا .
ثانياً : دلّت الآيات على أنّ محض احتمال الانتهاء عن المعصية كافٍ حتى لو كان الاحتمال ضئيلًا ، فاحتمال التأثير لا يشترط فيه أن يكون قوياً أو معتداً به ، بل في ظلّ مناخات دفعت الفرقة الساكتة للتكهّن بنزول العذاب ، لا نجد أنّ الاحتمال
هامش
( 1 ) تفسير العياشي 2 : 33 - 34 .
( 2 ) تفسير القمي 1 : 244 - 245 .
( 3 ) انظر : الكليني ، الكافي 8 : 158 ؛ والحويزي ، تفسير نور الثقلين 2 : 90 .