البيان الثاني : إذا كان الكمالُ صفةً وجودية تعبّر عن استغناء الموجود عن غيره إذا قيس به ، فسيكون مفهوم إكمال الدين في الآية الكريمة أكثر وضوحاً في إفادة شموليّة الإسلام ، كما هو جليّ « 1 » .
وقفة نقديّة مع بيانات المقاربة الجديدة
هذا الطرح برمّته يعاني من ثغرات عدّة ، ويمكن التعليق :
أوّلًا : إنّ الباحث اعتبر أنّ تفسير كمال الدين بتحقّق أجزائه وأهدافه يُنتج أكمليّة البرامج الدينية وأعميّتها وقدرتها على الجواب عن تمام متطلّبات الحياة ، وهذه هي المصادرة عينها ؛ لأنّه ما دمنا نفرض أنّ الكمال بملاحظة الأجزاء فهذا معناه - ضمناً - عدم أخذنا أيّ شيءٍ آخر غير البُنية الداخليّة للدين ، كما أنّ فرض كمال الدين من خلال تحقّق الأهداف لا يعني شموليّة الدين ، إلا إذا أثبتنا في المرحلة السابقة أنّ الهدف من الدين هو تنظيم جميع مرافق الحياة وتغطيتها بنفسه ، والمفروض أنّنا ما نزال نبحث في أنّ الدين هل هو معنيٌّ بهذا المستوى من التغطية أو لا ؟ وكأنّ الكاتب الموقّر ما زال مسكوناً بفرضيّة الشموليّة ، ولهذا فسّر الكمال استتباعاً لما استكنّ في أعماق فكره .
ثانياً : لم يتضح لماذا إذا كان الكمال الديني بملاحظة تماميّة الأجزاء والأهداف فسيكون الدين حاوياً لأكمل البرامج وأعمّها ؟ ! وذلك أنّ المفروض أنّنا في البيان الأوّل صرفنا النظر عن عنصر المقارنة النسبيّة مع خارج الشيء ، وركّزناه على بنيته الداخلية في أجزائه ومكوّناته ، فلو تمّ بهذا الاعتبار فكيف نثبت أنّه صار الأكمل ، وأنّه لا توجد برامج أكمل منه وأعمّ ؟ !
ثالثاً : إنّ الاستعانة هنا بمقطع ( إتمام النعمة ) من الآية الكريمة غير موفّقة فيما يبدو ؛ لأنّ فاعل الإتمام هنا ليس هو الدين ، وإنّما هو الله سبحانه ، وهذه هي المشكلة التي تورّط فيها الكاتب المحترم ؛ فهناك فرق بين أن أقول : إنّ الدين قد جاء بكلّ ما تتطلّبه سعادة الإنسان ، وبين أن أقول : إنّ الله قد أعطى الإنسان كلَّ ما تتطلّبه سعادته ، ففي الحالة الأولى ربما أمكن
هامش
( 1 ) انظر : مصطفى كريمي ، الدين حدوده ومدياته ، دراسة في ضوء النصّ القرآني : 274 - 282 ؛ ويبدو منه اعتماده في هذا الطرح على أعمال السيّد الطباطبائي ، وكذلك على كتاب غير مطبوع - كما يقول - للشيخ صادق لاريجاني .