احتمالان :
الاحتمال الأوّل : أن يتعرّض له القرآن ، فيكون المعنى : ما من أمر يختلف فيه اثنان - سواء في الدين أم غيره - إلا وقد تعرّض القرآن له ، وكشف الحقّ فيه ، غاية ما في الأمر أنّه لا تبلغه عقول الرجال . وهو مدلول واسع حيث لم يقيّد طبيعة الأمر المختلف فيه بأن يكون دينياً .
وهذا التفسير هو ما علّقنا عليه في بحث تفسير آية « فيه تبيان كلّ شيء » ، حيث نجد أنّ هذا المعنى غير مقبول ، فكيف نصدّق أنّ القرآن الكريم حوى كلّ شيء يختلف فيه اثنان ، وهو بنفسه يقول :
( وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً )
( النساء : 164 ) ؟ ! وكيف يكون في القرآن خبر كلّ شيء ، والله تعالى يقول لرسوله في أواخر السور المدنيّة :
( وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ )
( التوبة : 101 ) ؟ ! فلو كان القرآن فيه خبر كلّ شيء ، والمفروض أنّ الرسول صلى الله عليه وآله هو العالم به ، فكيف لم يعلم بخبر هؤلاء المحيطين به ؟ ! وهكذا في الآيات التي تنفي علم النبي صلى الله عليه وآله بالغيب . . فإنّ القرآن دالّ على أنّه ليس فيه كلّ شيء بهذا العرض العريض .
الاحتمال الثاني : أن يراد بأنّ أصله في القرآن موجود ، وأنّه توجد إشارات لجذور هذا الموضوع ، فأصله موجود في القرآن لا أنّه بعينه موجود فيه ، وعندما يكون الأصل موجوداً فهذا لا يعني الشموليّة إلا بهذا المقدار ، أي بمقدار القواعد العامة والقوانين الدستوريّة ، الأمر الذي لا يمانع أن يكون هذا الأمر ممّا لم يرد فيه قانون تفصيلي ولو عبر العمومات والمطلقات ، لكن وردت فيه معايير قيميّة ودستوريّة وإرشاديّة عامّة ، وأحيل التقنين لمرجعيّة قانونيّة أخرى .
وبهذا يتبيّن أنّ هذا الحديث لا يُثبت الشموليّة بالمعنى المدرسي ، بل هو منسجم مع الكثير من الاتجاهات التي تصنّف في دائرة الذاهبة إلى فهم الدين بحدّه الأدنى .
ونحو هذا الخبر :
الرواية السابعة : خبر مَسْعَدَة بن صَدَقَة ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام : . . ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق لكم ، أخبركم عنه ، إنّ فيه علم ما مضى ، وعلم ما يأتي إلى