فيلسوف الفقه من قبل فقهاء أو باحثين ، وهذه الممارسات ظلّت جزءاً من البحث الفقهي تارةً ، وسياقاً مفاهيمياً عاماً يدرس الفقه من زاوية نقدية أو تحليلية أخرى ، ولم تسمح هذه التجارب المتراكمة بولادة علم مستقل تحت هذا الاسم .
ومن أشهر المساهمات في هذه المجال ما صدر عن شخصيّتين كبيرتين في المجال الفكري الديني ، وهما : الشيخ مرتضى مطهري والسيد محمد باقر الصدر :
أما مطهري ، فقد ميّز بصراحة بين الفقيه الذي يعيش في غرفته وذاك الذي يعيش في واقع الحياة ومتغيّراتها ، معتبراً أنّ الرؤية الكونية والمناخ المحيط يلعب دوراً في وعي الفقيه . وقد مثّل المطهري لذلك بالفقيه الذي يعيش في مكّة حيث المياه القليلة آنذاك ، وذاك الذي يعيش في طهران حيث وفرة المياه .
إنّ مطهري يميّز بين هذين الفقيهين ، معتبراً أنّ هذا المناخ المحيط بهما سوف يؤثر على فهمهما لنصوص الطهارة والنجاسة ، بل قد تحدّث مطهري عن فقه عربي وعجمي وقروي ومدني وغير ذلك « 1 » .
وأما الصدر ، فقد تحدّث بصراحة كبيرة عن العامل الذاتي في الاجتهاد ، وأنّ هذا العامل قد يؤثر على الفقيه فيجرّه إلى مكان غير صحيح ، بل يرى الصدر أنّ فقه النظرية الذي اقترحه يحتاج إلى قدر من الذاتية - وهي الذاتية الاختيارية الاستنسابية - نظراً لخصوصيات يحتاجها عمله أشار إليها الصدر هناك « 2 » .
إنّ هذين النصّين وأمثالهما مؤشران بالغان في بدايات النصف الثاني من القرن العشرين على انعطافة نحو ذهنية فلسفة الفقه ، لكن مع ذلك لم تظهر هذه التسمية إلا
هامش
( 1 ) المطهري ، مجموعه آثار ( مجموعة الأعمال ) 20 : 181 ؛ وراجع : حيدر حب الله ، دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر 2 : 117 - 119 .
( 2 ) الصدر ، اقتصادنا : 445 - 467 .