تواصلت الحرب معهم ، اعتدوا على المسلمين أم لم يعتدوا ، وبهذا الفهم للآية غصّت كلمات العلماء هنا بلا حاجة لنقلها ، وقد فهم العديد منهم أن الجزية في الآية وضعت عقوبةً من الله تعالى على أهل الكتاب ، لعنادهم الحقّ ، وكفرهم بما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله « 1 » ، وقد استدلّ بعض الفقهاء بهذه الآية للسماح بقتل الشيوخ والعجزة ، حتى لو لم يكن لهم رأي ولم يقاتلوا المسلمين ، نظراً لإطلاق الآية هنا « 2 » ؛ بل تخطى بعضهم إلى احتمال أنّ الغاية في الآية غايةٌ لوجوب مقاتلة أهل الكتاب ، فتفيد سقوط وجوب مقاتلتهم عند إعطائهم الجزية ، وهذا لا يمنع عن جواز مقاتلتهم ولو قدّموها ، ومن ثم فالآية لا تمانع من الإطاحة بوجود أهل الكتاب من العالم حتى لو استعدّوا لتقديم الجزية « 3 » ، وهو ما يخالف ما ذكره مثل النووي من أن الآية وضعت نهايةً للإباحة « 4 » .
الآية الثانية : قوله تعالى :
( فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )
( التوبة : 5 ) .
فهذه الآية صريحة في الدلالة على أن المشركين يُقاتَلون وبشدّة حتى تتحقق منهم التوبة المتجلّية تماماً في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، والذي هو تعبير كنائي عن إسلامهم ، ففي الآية بيانٌ للغائية المرسومة للجهاد ، كما أنّ فيها مفاداً شرطياً ، وهو
هامش
( 1 ) انظر : المفيد ، المقنعة : 269 ؛ وفخر المحققين ، إيضاح الفوائد 1 : 389 ؛ وكلانتري ، الجزية وأحكامها : 14 .
( 2 ) انظر : الطوسي ، الخلاف 5 : 520 .
( 3 ) المنتظري ، دراسات في ولاية الفقيه 3 : 366 - 367 ؛ والمارديني ، الجوهر النقي 9 : 184 ؛ وابن حزم ، الإحكام 7 : 904 .
( 4 ) النووي ، المجموع 19 : 417 ؛ وانظر : ابن قدامة ، المغني 10 : 577 ؛ والشرح الكبير 10 : 603 .