تغاير الاسم والمسمى ، وقد تقدم البحث فيه * ( وَإنِّيأُعيذُهَا بكَ ) * عطف على * ( إني سميتها ) * وأتى هنا بخبر إن فعلاً مضارعاً دلالة على طلبها استمرار الاستعاذة دون انقطاعها وهذا بخلاف ( وضعتها ، وسميتها ) حيث أتى بالخبرين ماضيين لانقطاعهما وقدم المعاذ به على المعطوف الآتي اهتماماً به ، ومعنى * ( أعيذها بك ) * أمنعها وأجيرها بحفظك ، وأصل العوذ كما قال الراغب : الالتجاء إلى الغير والتعلق به يقال : عاذ فلان بفلان إذا استجار به ، ومنه أخذت العوذة وهي التميمة والرقية ؛ وقرأ أبو جعفر - ونافع - أني - بفتح ياء المتكلم وكذا في سائر المواضع التي بعد الياء ألف مضمومة إلا في موضعين * ( بعهدي أوف ) * ( البقرة : 40 ) و * ( آتوني أفرغ ) * ( الكهف : 96 ) و * ( ذُرِّيَّتَهَا ) * عطف على الضمير المنصوب ، وفي التنصيص على إعاذتها وإعاذة ذريتها رمز إلى طلب بقائها حية حتى تكبر ، وطلب للتناسل منه هذا إذا أريد بالإعاذة * ( منَ الشَّيْطَان الرَّجيم ) * أي المطرود ، وأصل الرجم الرمي بالحجارة الحفظ من إغوائه الموقع في الخطايا لأنه إنما يكون بعد البلوغ إذ لا تكليف قبله ، وأما إذا أريد منها الحفظ منه مطلقاً فيفهم طلب الأمرين من الأمر الأخير ، ويؤيد هذا ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل من مسه صارخاً إلا مريم وابنها " وفي بعض طرقه أنه ضرب بينه وبينها حجاب وأن الشيطان أراد أن يطعن بإصبعه فوقعت الطعنة في الحجاب ، وفي رواية إسحق بن بشر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل ولد آدم ينال منه الشيطان يطعنه حين يقع بالأرض بإصبعه ولهذا يستهل إلا ما كان من مريم وابنها فإنه لم يصل إبليس إليهما " وطعن القاضي عبد الجبار بإصبع فكره في هذه الأخبار بأنها خبر واحد على خلاف الدليل ، وذلك أن الشيطان إنما يدعو إلى الشر من له تمييز ولأنه لو تمكن من هذا الفعل لجاز أن يهلك الصالحين ، وأيضاً لم خص عيسى وأمه دون سائر الأنبياء ؟ وأنه لو وجد المس أو النخس لدام أثره وليس فليس ، والزمخشري زعم أن المعنى على تقدير الصحة أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها فإنهما كانا معصومين ، وكذلك كل من كان في صفتهما كقوله تعالى : * ( لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين ) * ( ص : 82 ، 83 ) واستهلاله صارخاً من مسه تخييل وتصوير لطمعه فيه كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ونحوه من التخييل قول ابن الرومي :
لما تؤذن الدنيا به من صروفها * - يكون بكاء الطفل ساعة يولد -
وأما حقيقة النخس والمس كما يتوهم أهل الحشو فكلا ولو سلط إبليس على الناس ينخسهم لامتلأت الدنيا صراخاً وعياطاً مما يبلون به من نخسه انتهى .
ولا يخفى أن الأخبار في هذا الباب كثيرة وأكثرها مدون في " الصحاح " والأمر لا امتناع فيه ، وقد أخبر به الصادق عليه الصلاة والسلام فليتلق بالقبول ، والتخييل الذي ركن إليه الزمخشري ليس بشيء لأن المس باليد ربما يصلح لذلك أما الاستهلال صارخاً فلا على أن أكثر الروايات لا يجري فيها مثل ذلك ، وقوله : لامتلأت الدنيا عياطاً قلنا : هي مليئة فما من مولود إلا يصرخ ، ولا يلزم من تمكنه من تلك النخسة تمكنه منها في جميع الأوقات كيف وفي " الصحيح " : " لولا أن الملائكة يحفظونكم لاحتوشتكم الشياطين كما يحتوش الذباب العسل " وفي رواية " لاختطفتكم الجن " وقسر قوله تعالى : * ( له معقبات من بين يديه ) * ( الرعد : 11 ) في أحد الوجوه به ، وبهذا يندفع أيضاً قول القاضي
تفسير الآلوسي — صفحة 137
مساهمون: الآلوسي
ص١٣٧