تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
رضي الله تعالى عنهما - وقال مجاهد : المحرر الخادم للبيعة ، وفي رواية عند الخالص الذي لا يخالطه شيء من أمر الدنيا ، وقال محمد بن جعفر بن الزبير : أرادت عتيقاً خالصاً لطاعتك لا أصرفه في حوائجي ، وعلى كل هو من الحرية - وهي ضربان - أن لا يجري عليه حكم السبي وأن لا تتملكه الأخلاق الرديئة والرذائل الدنيوية . وانتصابه على الحالية من * ( ما ) * والعامل فيه * ( نذرت ) * ؛ وقيل : من الضمير الذي في الجار والمجرور ، والعامل فيه حينئذ الاستقرار - ولا يخفى رجحان الوجه الأول - والحال إما مقدرة أو مصاحبة ، وجوز أبو حيان أن ينصب على المصدر أي - تحريراً - لأنه بمعنى النذر ، وتأكيد الجملة للإيذان بوفور الرغبة في مضمونها وتقديم الجار والمجرور لكمال الاعتناء به والتعبير عن الولد بما لإبهام أمره وقصوره عن درجة العقلاء ، و - التقبل - أخذ الشيء على وجه الرضا وأصله المقابلة بالجزاء - وتقبل - هنا بمعنى اقبل . * ( إنَّكَ أَنتَ الْسَّميعُ ) * لسائر المسموعات فتسمع دعائي * ( الْعَليمُ ) * بما كان ويكون فتعلم نيتي وهو تعليل لاستدعاء القبول من حيث إن علمه تعالى بصحة نيتها وإخلاصها مستدع لذلك تفضلاً وإحساناً ، وتأكيد الجملة لغرض قوة يقينها بمضمونها وقصر صفتي السمع والعلم عليه تعالى لغرض اختصاص دعائها وانقطاع حبل رجائها عما عداه سبحانه بالكلية مبالغة في الضراعة والابتهال - قاله شيخ الإسلام - وتقديم صفة السمع لأن متعلقاتها وإن كانت غير متناهية إلا أنها ليست كمتعلقات صفة العلم في الكثرة . * ( فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَآ أُنثَى واللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَ الاُْنثَى وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ) * . * ( فَلَمَّا وَضَعْتَها ) * الضمير - لما - ولما علم المتكلم أن مدلولها مؤنث جاز له تأنيث الضمير العائد إليه وإن كان اللفظ مذكراً ، وأما التأنيث في قوله تعالى : * ( قَالَتْ رَبِّ إنِّي وَضَعْتُها أُنْثَى ) * فليس باعتبار العلم بل باعتبار أن كل ضمير وقع بين مذكر ومؤنث هما عبارتان عن مدلول واحد جاز فيه التذكير والتأنيث نحو الكلام يسمى جملة ، و * ( أنثى ) * حال بمنزلة الخبر فأنث العائد إلى ( ما ) نظراً إلى الحال من غير أن يعتبر فيه معنى الأنوثة ليلزم اللغو أو باعتبار التأويل بمؤنث لفظي يصلح للمذكر والمؤنث - كالنفس ، والحبلة ، والنسمة - فلا يشكل التأنيث ولا يلغو * ( أنثى ) * بل هي حالة مبينة - كذا قيل - ولا يخلو عن نظر ، فالحق أن الضمير لما - في بطني - والتأنيث في الأول لما أن المقام يستدعي ظهور أنوثته واعتباره في حيز الشرط إذ عليه يترتب جواب ( لما ) لا على وضع ولد مّا ، والتأنيث في الثاني للمسارعة إلى عرض ما دهمها من خيبة الرجاء وانقطاع حبل الأمل ، و * ( أنثى ) * حال مؤكدة من الضمير أو بدل منه ، وليس الغرض من هذا الكلام الإخبار لأنه إما للفائدة أو للازمها ، وعلم الله تعالى محيط بهما بل لمجرد التجسر والتحزن ، وقد قال الإمام المرزوقي : إنه قد يرد الخبر صورة لأغراض سوى الإخبار كما في قوله : قومي هم قتلوا أميم أخي * فإذا رميت ( يصيبني سهمي ) فإن هذا الكلام تحزن وتفجع وليس بإخبار ، وحاصل المعنى هنا على ما قرر - فلما وضعت بنتاً تحسرت إلى مولاها وتفجعت إذ خاب منها رجاها - وعلى هذا لا إشكال أصلاً في التأنيث ولا في الجزاء نفسه ، ولا في ترتبه على الشرط ، وما قيل : إنه يحتمل أن يكون فائدة هذا الكلام - التحقير للمحرر استجلاباً للقبول لأنه من تواضع لله تعالى رفعه الله سبحانه - فمستحقر من القول بالنسبة إلى ما ذكرنا ؛ والتأكيد هنا قيل : للرد على اعتقادها الباطل وربما أنه يعود إلى الاعتناء والمبالغة في التحسر الذي قصدته والرمز إلى أنه صادر عن قلب كسير وفؤاد
تفسير الآلوسي — صفحة 134 | الآلوسي