وحتى لو كان في هذه الروايات بعض أوجه الاختلاف فإنّها تتحد في الدلالة على مبدأ الوجوب ، كما تقف لصالح النص القرآني ، وهو المطلوب ، لا أقلّ من كونها تضعف الوثوق بالأخبار المعارضة على قلّة الأخيرة ، وهو المطلوب هنا .
هذا مهمّ ما عثرنا عليه في كلماتهم مستمسكاً لهذا الحكم ، وإن ذكر الفخر الرازي أن بعض فقهاء المسلمين حمل الذكر اللازم بعد المناسك في الآية على الذكر على الذبيحة « 1 » ، وهو في غاية البعد ؛ إذ لا علاقة للذكر على الذبيحة بالذكر المساوي لذكر آبائهم أو أشدّ ذكراً لمن أنصف ؛ فإنّ الذكر على الذبيحة ليس بحيث يساوي ذكر الآباء فضلًا عن أن يكون أزيد منه .
الدليل الثالث : التمسك بالإجماع ، وقد نسب في المدارك والجواهر إلى السيد المرتضى « 2 » ، وهو كذلك « 3 » .
وناقشه صاحب الجواهر بأنّه موهون بمصير غيره إلى خلافه ، وهذا صحيح ، فإننا لم نعثر بعد التتبع المقدور لنا على من قال بذلك أو حكم به غير من تقدّم ، وهم لا يشكّلون شهرةً فضلًا عن إجماع .
هذا كلّه مع ضعف دليل الإجماع عموماً في الفقه .
الرأي المختار ، نظرية وجوب الذكر الكثير في الحج
ونحاول هنا ذكر تصوّراتنا عن الموضوع بعد استبعاد ما حسمنا ضعفه أو قوّته من الأدلّة السابقة ، ونعرض الأدلّة لنعرف في النتيجة ما هي معطياتها .
وحاصل ما يوجد - حسب الظاهر - من أدلّة على وجوب الذكر في الحج في الجملة وجوه أساسية لابدّ من بحثها ، وهي :
الوجه الأوّل : قوله تعالى :
( فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ
هامش
( 1 ) . الفخر الرازي ، التفسير الكبير 5 : 184 .
( 2 ) . المدارك 8 : 242 ؛ والجواهر 20 : 35 .
( 3 ) . المرتضى ، الانتصار : 173 .