طبعاً ليس الكلّ . ألا يُحسب ذلك نوعاً من الأنا والمفروض أنّهم أقرب الناس للناس ؟ !
* العارف - كأيّ مكلّف آخر - ملزم بالأمور الدينية ، وشرعه هو شرعنا لا يختلف عن سائر الناس في شيء ، فليس إذا كان عارفاً سقطت عنه الفرائض الاجتماعية والسياسية والدعويّة وغير ذلك ، وليس إذا كان عارفاً فإنّ له فقهاً خاصّاً وشرعاً منحصراً به . إنّنا لا نجد في النصوص الدينية الثابتة ثقافةً من هذا النوع ؛ فالأنبياء هم من أكمل العرفاء بالله تعالى ومع ذلك كانوا يعيشون مع الناس ويختلطون بقضاياهم ويشتغلون بشؤونهم السياسية والاجتماعيّة والاقتصاديّة ولهم علاقاتهم وارتباطاتهم معهم أيضاً .
وعبر التاريخ كان الكثير من العرفاء أكثر حضوراً في الحياة الاجتماعية والسياسية من الكثير من الفقهاء وكانت لهم علاقاتهم المعروفة في هذا الزمان ، ولا نريد أن ندخل في أسماء شخصيّات متأخّرة عرفت بذلك في أكثر من بلد مسلم ، وكانت لها نزعة عرفانية أو صوفية أو روحيّة عميقة .
لكنّ بعض المتصوّفة والعرفاء كانت لهم ميولهم الخاصّة عبر التاريخ ، وربما كانوا يعيشون بعض الأولويّات الزمنية بحسب عصرهم ، ولعلّ الظروف الموضوعيّة للكثير منهم لم تكن تسمح لهم بالحركة الاجتماعيّة ، لا سيما وأنّ تياراً كبيراً من الفقهاء والمحدّثين كانوا يتخذون منهم موقفاً سلبيّاً جدّاً حدّ التكفير ورفع العديد منهم على أعواد المشانق والصلبان ، الأمر الذي ترك أثره على انزوائهم وباطنيّتهم ، وشلّ من فعاليتهم الاجتماعيّة أيضاً . فيجب أن ننظر في سياقات ولادة منطق العزلة عند بعضهم ، فلعلّ لهم في ذلك العذر المؤقّت .
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 565
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٦٥