تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 531

مساهمون:

ص٥٣١
بالجدار ، مع العلم أنّ كلمة ( نطح ) في اللغة كلمة تُستخدم للحيوان - أستغفر الله - فكيف صارت تستعمل في حقّ أقدس أهل الأرض آل محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلّم ؟ ! * سبق أن تحدّثنا في دروس التفسير القرآني عن ما اعتبرناه قاعدةً في الفهم اللغوي والتفسيري ، وهي قاعدة أن لا يغترّ الإنسان بما ينسبق إلى ذهنه من الكلمات ، لا سيما لو كان هو إنساناً عربيّاً ، بل عليه دوماً أن يرجع إلى المصادر اللغوية والاستخدامات العربية القديمة للكلمة . ومن تطبيقات هذه القاعدة كلمة ( نطح ) ، فهي قد تنصرف عندنا اليوم عربيّاً إلى الحيوانات والكبش والماعز والثور ونحو ذلك ، وهي في جذرها اللغوي تستعمل بهذا المعنى أيضاً ، لكنّها لا تقف في لغة العرب عند هذا الحدّ ، بل يستخدمها العرب في مطلق المواجهة الشديدة المباشرة ( وجهاً لوجه ) ، يقول الفراهيدي : ( النَّطْح للكباش ونحوها ، وتَنَاطَحَت الأمواج والسيول والرجال في الحروب . والنَّطِيح : ما يأتيك من أمامك من الظباء والطير وما يزجر . . ) ( العين 3 : 172 ؛ وانظر أيضاً : المحيط في اللغة 3 : 26 ) . ومنه قيل : نواطح الدهر أي شدائده التي يواجهها الإنسان ، ويقولون : أصابه ناطحٌ أي أمر شديد ( انظر : الصحاح 1 : 412 ؛ ومعجم مقاييس اللغة 5 : 442 ؛ ومفردات القرآن : 811 ) . وهذا يعني أنّ هذه الكلمة قد بدأت عند العرب في منطلقها مع تناطح الكباش ونحوها ، ولكنّ العرب على طريقتهم - وهي طريقة أهل اللغة عموماً - يقومون بتوسعة المفهوم ليطبّقوه على مطلق المواجهة الشديدة المباشرة بين شيئين ، دون أن يحمل التطبيق الجديد كنايةً سلبيّة في تشبيهه بالحيوان ، ولهذا نحن نقول اليوم للأبنية الشاهقة الارتفاع : ( ناطحات السحاب ) ، دون أن يأتي إلى