مثقال ذرة من إيمان » ثبت أن شر المسلمين في قلبه إيمان ولما وجدنا الأمة تحكم عليه بالأحكام التي ألزمها الله للمسلمين ولا يكفرونهم ولا يشهدون لهم بالجنة : ثبت أنهم مسلمون إذ أجمعوا أن يمضوا عليهم أحكام المسلمين وأنهم لا يستحقون أن يسموا مؤمنين إذ كان الإسلام يثبت للملة التي يخرج بها الإنسان من جميع الملل فتزول عنه أسماء الملل إلا اسم الإسلام وتثبت أحكام الإسلام عليه وتزول عنه أحكام جميع الملل .
فإن قال لهم قائل : لم لم تقولوا : كافر إن شاء الله تريدون به كمال الكفر كما قلتم : مؤمنون إن شاء الله تريدون به كمال الإيمان ؟ قالوا : لأن الكافر منكر للحق والمؤمن أصل إيمانه الإقرار ، والإنكار لا أول له ولا آخر فتنتظر به الحقائق والإيمان أصله التصديق والإقرار ينتظر به حقائق الأداء لما أقر والتحقيق لما صدق ؛ ومثل ذلك كمثل رجلين عليهما حق لرجل فسأل أحدهما حقه فقال : ليس لك عندي حق فأنكر وجحد فلم يبق له منزلة يحقق بها ما قال إذا جحد وأنكر وسأل الآخر حقه فقال : نعم لك علي كذا وكذا فليس إقراره بالذي يصل إليه بذلك حقه دون أن يوفيه ؛ فهو منتظر له أن يحقق ما قال بالأداء ويصدق إقراره بالوفاء ولو أقر ثم لم يؤد إليه حقه كان كمن جحده في المعنى إذ استويا في الترك للأداء فتحقيق ما قال أن يؤدي إليه حقه ؛ فإن أدى جزءا منه حقق بعض ما قال ووفى ببعض ما أقر به . وكلما أدى جزءا ازداد تحقيقا لما أقر به . وعلى المؤمن الأداء أبدا بما أقر به حتى يموت . فمن ثم قلنا : مؤمن إن شاء الله ولم نقل : كافر إن شاء الله .
الإيمان — صفحة 306
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٠٦