نقد على المنار
ويلاحظ عليه :
أولًا : أنّ الموت في قوله :
حَذَرَ الْمَوْتِ
، وكذا
مُوتُوا
بمعنى واحد ، والوجه فيه : أنّ الثاني تفريع على الأوّل ، فعليه لو قلنا بما قاله يكون الموت في الأوّل بمعناه الحقيقي ، وفي الثاني
مُوتُوا
بمعناه المجازي ، وهو بعيد جدّاً ؛ لأنّه يكون المعنى حينئذٍ : أنّ هؤلاء خرجوا من ديارهم حذر الموت والهلاك ، فقال لهم اللّه : عيشوا حياة الخزي والذلّ ، وهذا وان كان يمكن تصحيحه بتوجيه الّا أنّه خلاف الظاهر ، فلا وجه للمصير اليه ، كما لا يخفى .
وثانياً : أنّ الضمير في قوله تعالى :
ثُمَّ أَحْياهُمْ
يعود إلى الذين أماتهم ، فيصير المعنى : ثمّ أحيى الذين أماتهم من قبل ، وهذا لا يصحّ الّا بحمل الموت والحياة على معناهما الحقيقي ، لا المجازي .
والتوجيه بما وجّهه في المنار حيث قال : والنسبة إليهم مع أنّهم غيرهم أفراداً باعتبار كونهم امّة واحدة غير صحيح ؛ لأنّه مع فرض قبوله في بعض الموارد لا يصحّ في المقام ؛ لأنّ الملحوظ في الآية هو الجمع الألوف ، وليس الحكم متوجّهاً إلى القوم والامّة حتى يصحّ التوجيه ، كما لا يخفى .
إذن لا وجه للمصير اليه الّا أن يمنع الاعجاز وخوارق العادة ، فمع جواز الإعجاز لا وجه لتفسير الآية بما ذكره .
ان قلت : انّ الإعجاز في المقام لا يصحّ ؛ لأنّه تعالى أخبر في كتابه الكريم :
لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى
.
قلت : انّ ذلك من أحكام نوع الانسان ، فلا ينافي ذوقه مرّتين في بعض الموارد ؛ لحكمة تقتضيه ، كما في قصّة عزير .