فعلى كلّ حالٍ اختلف في المراد من الشيطان ، فقد يقال : إنّ المراد هو إبليس ، وأنّه بمسّه يوجب جنون الانسان ، وهو الظاهر من المجمع ، حيث قال : « الذي يصرعه الشيطان » ، ويؤيّد مراده من ذلك : ما قاله بعد ذلك : « وقيل : إنّ هذا على وجه التشبيه ؛ لأنّ الشيطان لا يصرع الانسان على الحقيقة » « 1 » .
وقد يقال : انّ المراد منه : الشرّير ، واختاره العلّامة ( رحمه الله ) في الميزان ، حيث قال : ( انّ التشبيه ، أعني قوله : « الذي يتخبّطه الشيطان من المسّ » لا يخلو من اشعار بجواز تحقّق ذلك في مورد الجنون في الجملة ، فانّ الآية وإن لم تدلّ على أنّ كلّ جنون هو من مسّ الشيطان لكنّها لا تخلو من إشعار بأنّ من الجنون ما هو بمسّ الشيطان ، وكذلك الآية وإن لم تدلّ على أنّ هذا المسّ من فعل إبليس نفسه فإنّ الشيطان بمعنى الشرّير يطلق على إبليس ، وعلى شرار الجنّ وشرار الإنس ، وإبليس من الجنّ ، فالمتيقّن من إشعار الآية أنّ للجنّ شأناً في بعض الممسوسين ، إن لم يكن في كلّهم ) « 2 » .
ولقد أجاد في المقام ، حيث فسّر الشيطان بالشرّير ، وأمّا تطبيق الشيطان على الجنّ وأنّ للجنّ شأناً في بعض المجنونين ففيه خفاء .
ولنا أن نقول : إنّ الآية إنّما تدلّ على عروض الجنون وحدوثه في الإنسان من الشيطان « الشرّير » ، وهذا كما يمكن أن يكون من الجنّ يمكن أن يكون من الانسان الشرّير ، ومن غلبة السوداء ، وضعف المزاج ، ومن الجرثومة ، وهكذا .
فتحصّل من تمام ذلك : أنّ الشيطان في الآية ليس مستعملًا في « إبليس » ، بل بمعنى الشرّير ، وكلّ ما ذكرناه من مصاديق الشرّير .
هامش
( 1 ) . المصدر السابق .
( 2 ) . الميزان : 2 / 436 .