شعورهم قالوا :
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ
، فإنّك ترى أنّه فرض القائلين فرقة واحدة ، إلّا أنّه بعيد عن ظاهر الآية ، بل غير صحيح ، كما أشرنا إليه آنفاً .
ثمّ وقع الكلام في أنّه هل جواب الفرقة الثانية مجرد ردّ لكلامهم بحسن الأدب ، بمعنى أنّ جواب الفرقة الأولى حيث كان تخميناً صرفاً أجابت الفرقة الثانية بأنّ ربّكم أعلم بما لبثتم ، أو كان جوابهم اشارةً إلى أنّ الموحّد ليس له الّا التسليم له تعالى ، ولا يجوز له أن يسند العلم إلى نفسه ، بل لابدّ من أن ينسبه إليه تعالى ؟
وهذا الوجه اختاره العلّامة ، إلّا أنّ الحقّ هو الوجه الأوّل ؛ لظهور الآية في ذلك ، والتّأمل في الآية يرشدنا إلى ذلك ؛ لأنّ جواب الفرقة الأولى حيث لم يكن مرضياً عند الفرقة الثانية قالوا :
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ
، ولعلّهم قد فهموا من بعض القرائن أنّ لبثهم لم يكن بهذا المقدار ولم يمكن لهم أن يحدّدوا فأجابوا الفرقة الأولى بهذا الجواب ، فعلم أنّ قولهم هذا لم يكن بمجرد التسليم ، وأنّه لا يجوز لهم أن يسندوا العلم إلى أنفسهم فحسب ، بل إنّما هو لعدم قدرتهم على تحديد المدّة ، فأحالوا العلم عليه تعالى ، وأنّه ليس لهم فيه حظّ ، وكان من شأنهم أن يتوجّهوا إلى ما يناسب حالهم وما يحتاجون إليه ، وهو أن يبعثوا واحداً منهم إلى المدينة لتحصيل الطعام ، فلذا قالوا :
فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً
.
ثمّ إنّ الظاهر أنّ القائل :
فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ
كان من الفرقة الثانية ، فإنّ الفرقة الثانية بعد ردّ قول الفرقة الأولى بقولهم :
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ
قالوا :
فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ
.