أمّا سبب نزول الآيات فنقول اجمالًا هو : أنّه حدث في قوم موسى ( ع ) قتل ، ولم يعرف القاتل ، فالتجؤوا إلى موسى ( ع ) حتى يبيّن لهم الأمر كما هو مقتضى الآية ، فأمرهم موسى ( ع ) بذبح بقرةٍ ، وضرب المقتول ببعضها حتى يحيي ويخبرهم بعد إحيائه بقاتله ، ولكنّه على دأبهم شرعوا بالعناد واللجاجة وسوء الأدب معه ( ع ) ، وهذا ما تحكيه الآيات النازلة في المقام .
نموذج لعنادهم ولجاجتهم مع موسى ( ع ) :
ودونك نموذجاً إجمالياً لذلك العناد الذي اتخذوه مع نبيّهم موسى ( ع ) حين أمرهم بالذبح ، بقوله :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ،
أجابوا :
أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً .
ولعلّهم لعدم فهمهم وجه الارتباط بين الذبح وكشف القاتل تصوّروا أنّ كلام موسى ( ع ) كان استهزاءً بهم ، ولقد أساؤوا الأدب مع نبيّهم بعد نجاتهم من فرعون واستعباده لهم واراءتهم المعجزات الباهرة ، وحلّ المشكلات الغامضة ، وقضاء حوائجهم حين مناجاته في الطور .
وأعجب من ذلك هو تجرّؤهم على موسى ( ع ) بذلك القول وأمثاله من الأفعال ، كاتّباعهم السامريّ وعبادتهم العجل ، وقولهم لموسى ( ع ) حين أمرهم بالقتال :
فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ
« 1 »
.
وكذلك قولهم :
لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً
« 2 »
،
كلّ هذا بعد ما رأوا البراهين الواضحات والمعجزات الشامخات التي لا يبقى معها لأيّ انسان أدنى شكّ ولا تردّد في اللّه تعالى ، ولعلّ أشدّ ما آلم موسى ( ع ) هو نسبتهم إليه بالمستهزء حين قالوا :
أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً
بعد ما رأوا منه كلّ ذلك ، واعتقادهم بنبوّته عن الله
هامش
( 1 ) . المائدة : 24 .
( 2 ) . البقرة : 55 .