شرح
والتقريب واضح جدّاً ، حيث إنّ محلّ التحصيل موقّت قطعاً . ومع ذلك جعل عليه السلام جابراً من أهل المدينة ، فتدلّ الرواية على كون المقرّ من أقسام الوطن . بل يمكن أن يقال : إنّ عنوان التوطّن والاستيطان ، الواردين في الأخبار ، يشهد على ما قلناه أيضاً : بناءً على كون المراد منها تحصيل محلّ الإقامة بتهيّة لوازم المعاش من الفرش والسراج ونحوها وحينئذٍ يعمّان المقرّ ايضاً .
وتحصّل من ذلك ، أنّ الأقوى هو كون المقرّ من مصاديق الوطن كما عرفت .
إذا تحرّر ذلك فيقع الكلام في أنّ المقرّ المزبور بماذا يتحقّق ؟ فنقول : قد وقع الخلاف في ذلك بين الأعلام ، فذهب جمع إلى كفاية إقامة ستة أشهر كما تقدّم من كلام الهمداني قدس سره المنكر للوطن الشرعي وقد حمل صحيحة ابن بزيع على الوطن العرفي بالتوجيه الذي تقدّم . وذهب آخرون إلى تحقّقه بإقامة خمس سنين .
قال المحقّق الخوئي قدس سره وأمّا حدّ الصدق من حيث كمّيّة المدّة فهو موكول بنظر العرف ولا يبعد عدم صدق المسافر بنيّة الإقامة خمس سنوات ، فمن عزم على الإقامة هذه المدّة في النجف مثلًا يتمّ ما دام فيه وإن سافر ليالي الجُمع أو أيّام الزيارات إلى كربلاء « 1 » . والأظهر هو تحقّق المقرّ بإقامة سنتين وإن كنّا نعتبر أكثر من ذلك سابقاً .
والوجه في ذلك : أولًا هو الصدق العرفي ، فإذا استقرّ بهذا المقدار في محلّ يصدق عليه عرفاً انّه توطّن فيه . وثانياً : يستظهر ذلك من بعض الأخبار ، ففي صحيح زرارة ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : « من أقام بمكّة سنتين فهو من أهل مكّة لا متعة له « 2 » » .
وفي صحيح عمر بن يزيد . . . قال أبو عبد الله عليه السلام : « المجاور بمكّة يتمتّع بالعمرة إلى الحجّ إلى سنتين ، فإذا جاوز سنتين كان قاطناً وليس له أن يتمتّع . . . « 3 » » .
فدلالتهما على المدّعى واضحة ، ولذا ينقلب حكمه من التّمتّع إلى القرآن أو الإفراد . ولا يضرّ ورودهما في مكّة إذ لا يكون المورد مخصّصاً كما حقّق في محلّه .
هامش
( 1 ) . مستند العروة ، ج 8 ، ص 260 .
( 2 ) . الوسائل ، باب 9 ، من أقسام الحج ، حديث 1 .
( 3 ) . المصدر ، حديث 2 .