شرح
وأمّا ما رواه عمرو بن سعيد قال : كتب إليه جعفر بن محمد - أحمد - يسأله عن السفر في كم التقصير ؟ فكتب عليه السلام ، بخطّه وأنا أعرفه :
« قد كان أمير المؤمنين عليه السلام إذا سافر أو خرج في سفر قصّر في فرسخ ثم أعاد إليه المسألة من قابل ، فكتب إليه في عشرة أيّام » « 1 » .
فهو وإن كان معتبراً من حيث السند لوثاقة رجالها إلّا أنّه لا يمكن الالتزام به دلالةً ، لأنّه ظاهر في أنّه عليه السلام كان يصلّي قصراً في فرسخ . وهذا لا يدلّ على أنّ الفرسخ حدّ للقصر ولم يقل به منّا أحد مع أنّه حكاية حال ، كما ذكرناه في الخبر السابق .
مضافاً إلى قوّة احتمال صدوره تقيّة كما يشهد له ذيل الحديث : « فكتب إليه في عشرة أيّام » . فإنّه لم يقل باعتبار العشرة أيّام في ذلك أحد منّا .
إذا عرفت ما حرّرناه ؛ فنقول : الأقوى عندي هو الأخذ بكل من العلامتين والعمل بكلّ من الروايتين ، لكونهما صحيحتي السند ، واضحتي الدلالة ، ومعمولًا بهما عند المشهور .
وتوضيحه يتوقف على بيان مقدمات :
الأُولى : أنّ المراد من التواري عن البيوت ليس عدم الرؤية لأجل بُعد المسافة ، بل المراد منه المواراة والاحتجاب وصيرورة الشخص مستوراً من الأنظار بشخصه سواء كان ذلك لبعده عنهم أو لجهة أُخرى .
والوجه في ذلك كثرة استعمال اللفظة « التواري » في هذا المعنى ، كما يشهد له قوله سبحانه :« فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ »« 2 » .
وقوله تعالى :« يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ . . . »« 3 » إلى غير ذلك .
هامش
( 1 ) - الوسائل ، صلاة المسافر ، باب 6 ، ح 2 .
( 2 ) - ص ، 32 .
( 3 ) - النحل ، 59 .