شرح
فلم يسق القيد فيهما لإفادة المفهوم ، إذ البغي على الفتيات محرّم مطلقا كما أنّ الربيبة محرّمة كذلك ، وانما جيء بالقيد فيهما لأنّ الغالب كون الربيبات في حجور الأُمّهات اللّاتي يتزوّجن بالرجال ، وكذا كان الغالب في تلك الأزمنة إكراه الفتاة على الزنا من ناحية المولى .
وما نحن فيه من هذا القبيل ، والوجه في ذلك أنّ الغالب في زمان نزول الآية وجود الخوف في الأمكنة والطرق نوعا لكثرة الحروب والمنازعات بين العرب ، كما لا يخفي لمن لاحظ كتب التاريخ والسِيَر .
وعليه يكون القيد غالبيا وليس باحترازيّ ، فتكون الآية دالّة على وجوب القصر في السفر سواء كان هناك خوف أم لا .
ولا يخفي ما فيه من الضعف والفتور .
أمّا أوّلًا : فلأنّ الأصل في القيد هو الاحتراز ، كما يؤيّده ما ورد في شأن النزول وقد ورد أنّ خالدا قال : إنّهم إذا شرعوا في الصلاة نقاتل معهم ، فنزلت الآية ، ففي « روح المعاني » أنّ المشركين إذا رأوا فراغ المسلمين من صلاتهم ؛ قال بعضهم : لقد أمكنكم محمد صلى الله عليه وآله وأصحابه من ظهورهم فهلّا شددتم عليهم ؟ قال قائل منهم : إنّ لهم صلاة أخرى مثلها في أثرها ، فأنزل اللّه سبحانه الآية « 1 » .
فهذا شاهد صدق على كون التقييد بالخوف للاحتراز ، وليس من الغالبيّ في شي .
وثانياً : إنّ الآية تدلّ على أنّ الموضوع للقصر هو الخوف من فتنة الكفّار ووقوعهم على المسلمين غيلة وغفلة حين اشتغالهم بالصلاة ولاسيّما مع ملاحظة قوله سبحانه: « إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً »وهذه الجملة تنافي كون القيد للغالب ، مضافا إلى أنّ الآية التالية الصريحة في كيفية صلاة الخوف لا يناسب هذا الوجه .
وثالثاً : أنّ مجرّد دعوى كون الأسفار في زمن نزول الآية مقرونة بالخوف لا تنفع ؛ بل لابدّ على المدّعي إثبات ذلك بالدليل ، وهو مفقود .
هامش
( 1 ) - روح المعاني : ج 5 ، ص 121 .