ويمكن أن يقال : إن كان الغناء من مقولة الكلام فاللازم منه أن لا يكون الصوت المجرّد عن الكلام غناء وإن كان موجباً للطرب والخفّة . وهو كما ترى ؛ لصدق الغناء على الصوت اللهوي الذي له شأنية التطريب ولو لم يكن معه كلام .
وإن كان الغناء من مقولة الصوت ولو كان مجرّداً عن الكلام فمقتضاه أن يتحقّق الغناء من دون كلام ، ومعه لا مجال لدعوى اتّحاد الكيفية مع الكلام ؛ إذ لا كلام حتّى يتّحد معه .
وثالثاً : بما في الجواهر حيث قال : « إنّ الغناء من مقولة الأصوات أو كيفيّاتها من غير مدخلية لأمر آخر ، ولا ينافي ذلك عدّه من لغو الحديث وقول الزور ونحوهما ممّا يمكن كون المراد منه أنّه كذلك باعتبار هذه الكيفية الخاصّة » « 1 » .
فتحصّل : أنّ الغناء من كيفية الأصوات ، وإطلاقه على الكلام من باب اتّحاده معه غالباً ؛ فيصير الكلام بذلك لهواً وزوراً ، فالدليل الدالّ على حرمة قول الزور أو لهو الحديث لا ينافي كون الغناء من كيفية الأصوات ومحرّماً ، فتدبّر جيّداً .
ثالثها : قوله تعالى :
( وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ )
« 2 » ، ويدلّ على تفسير مَشاهد ( مجالس ) الزور بمَشاهد الغناء من دون اشتراط الكلام : صحيحة أبي الصباح ( الكناني ) عن أبي عبد الله عليه السلام قال في قوله عزّ وجلّ :
( وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ )
قال : « الغناء » « 3 » .
والخدشة فيه : بأنّ مَشاهد الزور التي مدح الله تعالى من لا يشهدها هي مجالس التغنّي بأباطيل الكلام ، فيختصّ الغناء المحرّم بما كان مشتملًا على الكلام الباطل ، فلا
هامش
( 1 ) جواهر الكلام / ج 22 ، ص 44 .
( 2 ) سورة الفرقان / الآية 72 .
( 3 ) جامع الأحاديث / ج 17 ، ص 185 ، الباب 19 من أبواب ما يكتسب به ، ح 8 .