يكون في البَين واسطة ، فتتحقّق - حينئذٍ - أمور ثلاثة : الواسطة والعارض والمعروض ، ويطلق عليه ذو الواسطة أيضاً .
ثمّ إنّهم قسّموا الواسطة بين العارض والمعروض إلى أقسام ثلاثة :
الأوّل : الواسطة في العروض ، وهي ما كان العارض حقيقةً عارضاً لنفس الواسطة ، وتكون نسبته إلى المعروض بالعرض والمجاز ، كوساطة الحركة لعروض السرعة على الجسم في قولك : « الفرس سريع » مثلًا ، فالسرعة عارض ، والفرس معروض ، والحركة واسطة في العروض مجازاً ، ومعروض حقيقةً .
الثاني : الواسطة في الثبوت ، وهي علّة ثبوت العارض لمعروضه خارجاً ، بحيث يكون اتّصاف المعروض بذلك العارض حقيقياً ، سواء كانت الواسطة أيضاً متّصفةً به أم لا ، فالأوّل كوساطة النار لعروض الحرارة على الماء ، والثاني كوساطة الحركة لعروض الحرارة على الجسم ، والتعجّب لعروض الضحك على الإنسان .
الثالث : الواسطة في الإثبات ، وهي ما كان علّةً للعِلم بثبوت العارض لمعروضه ، سواء كانت في الخارج أيضاً علّةً ، أو كانت معلولًا ، أو كانت ملازماً .
والأوّل : كقولك : « الصلاة ذات مصلحة ملزمة ، وكلّ ما فيه مصلحة ملزمة فهو واجب ، فالصلاة واجبة » فيما إذا صار عِلمك بالمصلحة سبباً للعلم بالوجوب .
والثاني : كقولك : « الحج واجب ، وكلّ واجب له مصلحة ملزِمة ، فالحجّ له مصلحة مُلزمة » فيما إذا صار عِلمك بالوجوب طريقاً إلى عِلمك بالصلاح .
والثالث : كقولك : « الصلاة تنهى عن الفحشاء ، وكلّ ما ينهى عن الفحشاء فهو معراج المؤمن ، فهي معراج » بناءً على تلازمهما ، ومن هنا قيل : إنّ الواسطة إن كانت علّةً في العين والذهن فهي واسطة في الثبوت ، وإن كانت علّةً في الذهن فهي واسطة في الإثبات ، وهذا يكون في وسائط القياس .
ثمّ إنّ النسبة بين الواسطة في العروض والثبوت هي التباين ؛ فلا شيء من وسائط العروض واسطة في الثبوت ، ولا شيء من وسائط الثبوت واسطة في العروض ؛ إذ لا يعقل أن يكون شيء معروضاً لِعَرَض ، وعلّةً لثبوت نفس ذلك العرض لمعروض آخر .
الأصول (مشتمل على تحرير المعالم واصطلاحات الأصول) — صفحة 474
مساهمون: الشيخ علي المشكيني
ص٤٧٤