وفق ما جبل عليه جواهره ؛ فقد أعطى الإنسان رزق العقل ، ووهب العقول رزق العلم ، وأتى النفوس رزق الأخلاق والسجايا ، ووهب العقلاء رزق الدين والكتاب ، وأعطى الأبدان رزق الغذاء ، والنبات رزق النور والماء والهواء ، وغير ذلك ممّا لا نحصيه كثرة .
ثمّ إنّه تعالى قدّر الأرزاق كمّاً ، وحدّدها كيفاً ، وعيّن لكلّ شيء رزقاً معلوماً ، ولكلّ حيّ مقداراً منه معيناً محدوداً ؛ فيتحصّل حينئذٍ أنّ اللَّه رازق لكلّ مرزوق ، في كلّ مكان ، وفي كلّ زمان ، وبكلّ رزق ، وطبق كلّ اقتضاء ؛ فهو تعالى : ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ فإنّ ذلك يقتضي قدرة بالغة كاملة . والمتين أيضاً القويّ المقتدر .
وقوله تعالى : لَهُ مَقَالِيدُ السَّمواتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ « 1 » . والمقاليد جمع مقلّد أو مقلاد ، بمعنى المفتاح .
وقال تعالى : وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَا عَلَى اللَّهَ رِزْقُهَا « 2 » .
وقال : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ « 3 » .
وقال : وَكَأَيِّن مِن دَابَةٍ لَّاتَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ « 4 » .
وقال : قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِنَ السَّمواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ « 5 » .
البحث الثالث والثلاثون : لو شاء اللَّه لآمن أهلها
إنّها هي التي لو أراد اللَّه بإرادة حتميّة تكوينيّة إيمان ساكنيها من الإنس والجنّ لآمنوا جميعاً طوعاً أو كرهاً ، فيكون إيمانهم حينئذٍ نظير ألوانهم وغرائزهم أمراً تكوينيّاً ثابتاً فيهم بلا اختيار منهم ، فيبطل التكليف بالكلّية ، ويقبح عقاب المخالفين والعاصين والكافرين ، ولا يستحقّ الثواب المؤمنون المطيعون . وهذا يكشف عن عدم تعلّق هذه الإرادة بالإيمان والأعمال .
قال تعالى : وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَميعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى
هامش
( 1 ) . الشورى ( 42 ) : 12 .
( 2 ) . هود ( 11 ) : 6 .
( 3 ) . الروم ( 30 ) : 40 .
( 4 ) . العنكبوت ( 29 ) : 60 .
( 5 ) . سبأ ( 34 ) : 23 .