ثمّ إنّ قوله تعالى : بَعْدَ إصْلاحِها أيبعد أن أصلحها اللَّه تعالى ، وحينئذٍ يتوجّه سؤال : أنّه ما هو المراد من هذا الإصلاح ؟ أهو السببيّ أو المسبّبيّ ؟ وأنّه متى تحقّق هذا الإصلاح في المجتمع البشري أو في الحرث والنسل إلى يومنا هذا ؟
والجواب : أنّه قد تحقّق كلا الأمرين ، فإنّ انزال الكتب والشرائع وإرسال الرسل على الناس إصلاح للنفوس في الجملة ، وخَلْق الأرض على نحو قابل للانتفاع بصنوف الانتفاعات إصلاح للأرض .
وقال : وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ « 1 » ، أييقطعون كلّ ما أمر اللَّه بالاتّصال والتقرّب إليه وأداء حقوقه ، من النبيّ والإمام ، ومن الأرحام والجيران والمساكين والأيتام وسائر المؤمنين . و « سوء الدار » أي الدار السيّء دخولها والبقاء فيها ، وهي النار .
وقال : وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ « 2 » .
وقال : وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ « 3 » .
وقال : ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ « 4 » .
البحث الحادي والثلاثون : انفتاح بركاتها
وهي التي لو أمن أهلها وطوائف الإنس والجنّ القاطنين « 5 » فيها ، واعتصموا بحبل اللَّه ، وتديّنوا في كلّ عصر بما هو دين اللَّه ، وخافوه خوفاً يمنعهم عن العصيان والطغيان ، لفتح اللَّه عليهم أبواب الخيرات والبركات من تخوم الأرض إلى عنان السماء ، وأنزل عليهم أمطاراً ، وأرسل السماء عليهم مدراراً ، وأنبت عليهم أنجماً وأشجاراً ، ومَنّ عليهم بالخصب والسعة ، والرزق الوسيع ، والعيش الهنيء .
قال تعالى : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّماءِ
هامش
( 1 ) . الرعد ( 13 ) : 25 .
( 2 ) . القصص ( 28 ) : 77 .
( 3 ) . الشعراء ( 26 ) : 151 - 152 .
( 4 ) . الروم ( 30 ) : 41 .
( 5 ) . قَطَنَ بالمكان : أقام به وتوطّن . الصحاح ، ج 6 ، ص 2182 ( قطن ) .