هذا القصد جهوداً ، ويصرفون فيه أموالًا ، وقد حثّ الكتاب الكريم عليه قبل أن تستيقظ الأمم وأهل الدنيا ، وإن كانت العلّة الغائيّة التي حثّ اللَّه الكتاب لأجلها قد تختلف مع ما عليه هؤلاء القوم .
ومن موارد توافق الأغراض ما أشار إليه الكتاب الكريم بقوله : قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ . فهل هذا إلّاما يسافر لأجله عدّة منهم للتحقيق حول مسألة التطوّر ، وتحصيل كيفيّة نشو المودات الحيّة وارتقائهم من مراحل النقص إلى الكمال في أبعادها المختلفة . وقد صارت المسألة ( أيبحث التطوّر ) في هذه العصور علماً مستقلّاً دوّن في تحقيقه وتهذيبه والاستدلال على موضوعاته المرتبطة به كتب كثيرة .
البحث الثلاثون : تحريم الإفساد فيها
إنّها هي التي نهى اللَّه تعالى ساكنيها عن الإفساد فيها بانتحال العقائد الفاسدة ، والاتّصاف بالخُلُق الذميمة ، وارتكاب الأعمال السيّئة ، بعد أن أصلحها اللَّه بإرسال رسله وإنزال كتبه ؛ قال تعالى : وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً « 1 » . والفساد ضدّ الصلاح ، فهو تطرق الخراب على الشيء بحيث تزول عنه آثاره المطلوبة منه .
والفساد قسمان : سببيّ ، ومسبّبيّ . والأوّل : هو الفساد الحاصل في النفوس في أبعادها الثلاثة . والثاني : هو الحاصل في الأرض ومَن عليها بالتلف والاضمحلال .
فالاعتقاد بالعقائد الباطلة فساد في الفكرة والاعتقاد ، والتخلّق برذائل الصفات وارتكاب منكرات الأفعال عقلًا أو شرعاً فساد في النفوس ، وتسبّب كلّ إنسان لحصولها في غيره إفساد للمجتمع . وتأثير تلك الأمور في قلّة النبات والشجر والثمر وسائر شؤون العمارات الأرضيّة أو في انقطاعها وزوالها ، أو في قلّة النفوس ، أو اضمحلالها بالحرب والقتال إهلاك للحرث والنسل وإفساد لهما ؛ قال تعالى : وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ « 2 » .
هامش
( 1 ) . الأعراف ( 7 ) : 56 .
( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 251 .