البحث الحادي عشر : تسبّح للَّهتعالى
إنّها هي التي تسبّح وتقدّس تسبيحاً باطناً معنويّاً بلسان حالها ، ويسبّح من عليها وما عليها ، بعضها تكويناً ، وبعضها لفظاً وإنشاءً ؛ قال تعالى : تُسَبِّحُ لَهُ السَّمواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِن لَّاتَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ « 1 » .
السبح يستعمل في معان :
منها : الجري السريع والمرور بسرعة ، كقوله تعالى : وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ، « 2 » أيكلّ من الشمس والقمر يدور في مدار له معيّن بسرعة ؛ وقوله : إِنَّ لَكَ فِى النَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلًا ، « 3 » أي جرياً ومشياً في أمور دنياك وآخرتك .
ويستعمل في العبادة أيضاً ؛ لأنّ العابد داخل فيها وجار في فعلها ، سواء في ذلك العبادة اللفظيّة ، كقوله فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ، « 4 » أو العمليّة كقوله : أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ . « 5 » وقد يطلق التسبيح على التنزيه والتقديس ، أيتبرئة الشيء عن النقائص ، نحو سُبْحَانَكَ لَاعِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ، « 6 » أيننزّهك ونقدّسك عن النقائص . وما اشتهر من أخذه بمعنى التنزيه في جميع الموارد لا يساعده معناه الأصلي ، فكلّ مورد عُدّي باللام يكون شاهداً على إرادة المعنى الأصلي ، نحو سَبَّحَ لِلَّهِ « 7 » ويُسَبِّحُ لِلَّهِ . « 8 » فالمراد من قوله تعالى : تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ أنّها تعبده وتخضع له عبادة تكوينيّة ، وخضوعاً وانقياداً قهريّاً طبيعياً كما قيل في تسليمها وسجودها .
وأمّا قوله : وَإِن مِن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ فمعناه : أنّ كلّ شيء يخضع له بالثناء عليه بلسان حاله ، أو ينزّهه بسبب حمده . وتوضيح ذلك : أنّ الأشياء باحتياجها إلى موجد وحافظ يكشف عن غناه تعالى فتنزّهه عن الحاجة ، وهي بعظم إجرامها وأجسامها تكشف
هامش
( 1 ) . الإسراء ( 17 ) : 44 .
( 2 ) . يس ( 36 ) : 40 .
( 3 ) . المزمّل ( 73 ) : 7 .
( 4 ) . الصافّات ( 37 ) : 143 .
( 5 ) . القلم ( 68 ) : 28 .
( 6 ) . البقرة ( 2 ) : 32 .
( 7 ) . الحديد ( 57 ) : 1 ؛ الحشر ( 59 ) : 1 ؛ الصفّ ( 61 ) : 1 .
( 8 ) . الجمعة ( 62 ) : 1 ؛ التغابن ( 64 ) : 1 .