باللاحق ، ومن كلّ لاحق أن يصدّق السابق ؛ لقوله تعالى : رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ فمن وظائف الأنبياء الاتّحاد والائتلاف والتناصر والتعاضد ، وإيمان بعضهم ببعض ، وتصديق بعضهم بعضاً ، لكون الجميع مبعوثاً عن واحد وبدين واحد هو الإسلام ، وان كانت شرائعهم تختلف باقتضاء الزمان واستعداد الأمم .
وقد بيّن اللَّه هذا الاتّحاد في الدين والوحدة في الغرض والمهمّ في موارد من كتابه ؛ قال تعالى : إنَّ الدّينَ عِنْدَ اللَّهِ اْلإِسْلامُ « 1 » ، وقال : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ اْلإِسْلامِ ديناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ « 2 » ، وقال :
إنَّ هذِهِ امَّتُكُمْ امَّةً واحِدَةً وَأنا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ « 3 » ، وقال : وَإنَّ هذِهِ امَّتُكُمْ امَّةً واحِدَةً وَأنا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ « 4 » فقد عدّ اللَّه تعالى في آية الأنبياء سبعة عشر نبيّاً من أنبياءه ، ثمّ خاطب نبيّه صلى الله عليه وآله وقال : وَإنَّ هذِهِ امَّتُكُمْ امَّةً واحِدَةً .
تفسير الآية 93 - 95 من سورة آل عمران
قال اللَّه تعالى : كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنى إسْرائيلَ إلّاما حَرَّمَ إسْرائيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقينَ * فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَاولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ * قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهيمَ حَنيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكينَ .
يحكي لحن الآية الأولى عن أنّ وجهة الاعتراض هم اليهود ، وأنّهم كانوا مدّعين حرمة بعض الطعام على بني إسرائيل قبل نزول التوراة وعدم حلّية الجميع ، فكان البعض منه حلالًا والبعض حراماً ؛ فعلى هذا يكون قوله تعالى : مِنْ قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قيداً لحلّية جميع الطعام على بني إسرائيل . وأمّا القول بكونه قيداً لتحريم إسرائيل بعض الطعام على نفسه فهو توضيحٌ للواضح ، بعيدٌ عن كلام الحكيم ؛ لوضوح أنّ إسرائيل كان قبل التوراة بأعوام كثيرة ، فتحريمه أيضاً يكون كذلك .
هامش
( 1 ) . آل عمران ( 3 ) : 19 .
( 2 ) . آل عمران ( 3 ) : 85 .
( 3 ) . الأنبياء ( 21 ) : 92 .
( 4 ) . المؤمنون ( 23 ) : 52 .