عليهم غير هذه الآية ، ودلالتها غير متّضحة من هذه الجهة ، وليس في روايات الباب تعرّض لبيان ذلك .
هذا ما تحصّل لنا من الكتاب الكريم في تشخيص الموضوعات المحرّمة عليهم .
وأمّا العلّة في دعواهم سبق تحريمها على التوراة المراد به ثبوته منذ زمن إبراهيم عليه السلام ، بل وزمان نوح عليه السلام ، فهو لأحد وجهين على سبيل منع الخلو :
الأولى : أنّ قبولهم حدوث التحريم تسليم وقبول لعصيانهم وطغيانهم ؛ فإنّ التحريم كان لأجل ارتكابهم المعاصي على ما صرّح به الكتاب الكريم ؛ قال تعالى : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ احِلَّتْ لَهُمْ . . . ، « 1 » وقال : ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإنّا لَصادِقُونَ « 2 » . فقبول حدوث التحريم ملازمٌ لقبول الظلم .
الثانية : أنّ المنقول المستفيض عنهم كونهم منكرين للنسخ في الأحكام الكلّية الإلهيّة ، فكلّ ما هو حلال في زمان فهو حلالٌ في جميع الأزمنة ، وكلّ ما ثبت حرمته في وقت فهو حرام في جميع الأوقات ، فإذا ثبت عندهم حرمة أعيان خاصّة واعتقدوا ذلك من جهة وجودها في التوراة أو باخبار نبيّهم موسى عليه السلام ، لزمهم القول بكونها ثابتة من قبل منذ زمن شرّع اللَّه الشرائع وأنشأ الأحكام ، فتكون حرمتها ثابتة في زمان إبراهيم عليه السلام أيضاً ؛ فصارت هذه المزعمة سبباً لدعوى تقدّم الحرمة .
ثمّ إنّ قوله تعالى : فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ معناه : من بعد ما بين اللَّه الحكم الواقعي ، ورفع الستر عن وجه الحقيقة بلسان نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله ، وبعد عدم مجيئهم بالتوراة الموجب لانكشاف بطلان دعواهم ، فأولئك هم الظالمون لأنفسهم وتابعيهم المحرومون بذلك عن الإيمان والسعادة الأبديّة .
وقوله تعالى : قُلْ صَدَقَ اللَّهُ تأكيدٌ في الاحتجاج ، وبيانٌ لصحّة ما أخبر به النبيّ عن اللَّه تعالى في مسألة تحريم الطيّبات عليهم ، وإلزامٌ لهم باتّباع النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله والتسليم بنبوّته وكتابه .
هامش
( 1 ) . النساء ( 4 ) : 160 .
( 2 ) . الأنعام ( 6 ) : 146 .