قد عدّه عدة من العلماء من أركان الإيمان ، وأمّا القولي في الأخلاق فليس له وزن ، ولا يترتّب عليه أثر .
قوله تعالى : فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ظاهر هذه الجملة يعطي كون المراد من الموصول في ما في أنْفُسِكُمْ ما كان شرّاً غير حسن من العقائد الباطلة والأخلاق والملكات الرذيلة القبيحة ، فحكم العقائد الحقّة والأخلاق الفاضلة لا يستفاد من الآية .
وأمّا الغفران والعذاب فقد يقال : إنّ المراد بمن يغفره صاحب الملكات الرذيلة إذا لم يظهر منه عمل حرام على وفقها ، وبمن يعذّب من عمل على وفقه ، وصاحب العقائد الباطلة . لكن هذا تفريق في الغفران والعذاب من حيث الأمور النفسيّة ، وظاهر الآية التفريق من جهة الأشخاص ، ومعناها أنّ العقائد والأخلاق الفاسدة تقع مورد الغفران من بعض والعذاب من آخر . ولعلّ المراد من كان جاهلًا قاصراً في العقائد الباطلة ، أو قاطعاً بالخلاف معذوراً ، وفي الأخلاق ما كان ذاتيّاً لا يقدر صاحبه على إزالته ولم يرتّب عليه أثر .
ثم إنّه يقرب من الآية قوله تعالى : قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكُمْ أوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وَما في اْلأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ « 1 » .
لكنّ الظاهر كون ما في الصدور هنا أعمّ من التصوّرات والتصديقات والأخلاقيات وغير ذلك ممّا يصدق عليه أنّه في الصدر ؛ لأنّ جزاء الشرط هنا العلم ، وهناك المحاسبة كما عرفت . وحيث إنّ علم اللَّه بشيء لا يقتضي بنفسه ظهوره وإظهاره ، والمحاسبة تقتضي ذلك بطبع الحال ، قدّم في هذه الآية إخفاء ما في الصدور ، وفي الآية السابقة إبداء ما في النفوس .
ويعلم ممّا ذكرنا أيضاً اتّحاد معنى النفس والصدر ، وأنّ المراد ليس الصدر الظاهري ؛ فالنفس والصدر والقلب والروح والعقل في بعض استعمالاته مترادفات .
هامش
( 1 ) . آل عمران ( 3 ) : 29 .