ويتحصّل من هذه الآيات تحديد التصرّف وتقييده وأنّه كما أنّ قدرة الإنسان تكويناً وتسلّطه خارجاً محدودة غير مطلقة وإن كانت تتزايد وتتكامل ، كما يعرف من مقايسة حاله في أوائل عصر تكوّنه مع قدرته الفعلية ، فكذلك إباحة تصرّف كلّ فرد من المجتمع الإنسانى في الأرض وما عليها من الأموال العامّة محدودة بحدود ، فلم يسوّغ له كلّ ما شاء وأراد من الأكل والشرب واللبس والنكاح وغيرها ، بل إنّما تتعلّق بالتصرّف الواقع في السبيل المشروع له من ناحية خالقها وواهبها ، أو بعدم كونه على نحو ينطبق عليه عنوان اتّباع الشيطان ، أو وصف الطغيان ، أو الاسراف ، أو ترك التقوى ، ويرجع بعض هذه القيود إلى لحاظ المصالح المتعلّقة بالمتصرّف مع قطع النظر عن غيره ، وبعضها الآخر إلى ملاحظة حال الغير من جهة عدم وقوع التزاحم بين المتصرّفين ومراعاة حقوق سائر أفراد المجتمع ، وبعضها الثالث إلى ملاحظة كلا الأمرين ، وليس جميع الحدود الواردة في حقّ كلّ فرد مربوطاً بحال غيره ومجعولًا لأجل دفع مزاحمته عنه كما يتوهّم .
وأمّا الأمر الرابع فآيات يستفاد منها الملك الإضافي للناس وأنّ لهم التملّك منها في الجملة والتسلّط على الأراضي وغيرها ممّا عليها سلطنة اعتبارية إضافية .
وليعلم قبل ذلك أوّلًا « 1 » أنّ انتزاع الملكيّة الاعتباريّة يكون في الغالب بعد تحقّق ثلاث مراحل : التسلّط التكويني والإباحة التشريعية والإقدام من الإنسان على حيازة شيء وتخصيصه لنفسه ، فإذا أمضاه الشارع تحقّق حينئذ عنوان المال المضاف إلى الشخص ، المساوق للملكية الاصطلاحية والإضافة الاعتبارية التي ذكرناها .
وهي آيات كثيرة تدلّ على المقصود بالالتزام بمعنى دلالتها على أحكام تكشف عن كون أصل ملكية الأشخاص للأموال في الجملة مفروغاً عنه ومفروض الثبوت بحيث لا شبهة فيه ولا ارتياب ، كتحريم القرب من مال اليتيم ، « 2 » وأكل أموال الناس
هامش
( 1 ) . قوله قدس سره : « أوّلًا » ، أي ابتداءً . .
( 2 ) . إشارة إلى قوله تعالى : « وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتيمِ إلاّ بِالَّتى هِيَ أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ » . الأنعام ( 6 ) : 152 ؛ الإسراء ( 17 ) : 34 . .